> حسن خليل*:

في منتصف يوليو الماضي ظهر ما يُسمّى "المجلس الوطني للإنقاذ" في الخارج، وهو كيان يزعم تمثيل أصوات المعارضة السعودية، لكنّه عمليًا تحوّل إلى منصة إخوانية تتقاطع أهدافها مع مشروع جماعة الإخوان المسلمين، في مواجهة الدولة السعودية. ورغم محاولة القائمين عليه إخفاء هذه الصلات، إلا أنّ الوقائع والشخصيات المرتبطة به تكشف عن شبكة من العلاقات الوثيقة، التي تربط هذا المجلس بأقطاب الإخوان في أوروبا، ولا سيّما في لندن، حيث تتركز الأنشطة الإعلامية والسياسية المناهضة للرياض.
  • معارضة مغلقة وارتباطات سرّية
يزعم البيان التأسيسي للمجلس أنّ الأزمة الأساسية في السعودية هي الوضع السياسي القائم على الاستبداد المطلق، وأنّ الإصلاح السياسي الشامل هو المدخل الضروري لأيّ إصلاح آخر، دون أن يذكر مشروعًا للإصلاح المزعوم، والذي يستهدف بالأساس بنية الدولة.

ويقود المجلس الوطني للإنقاذ معارضون سعوديون ارتبطوا بجماعة الإخوان على مدار تاريخهم، من أبرزهم الدكتور سعد بن راشد الفقيه، الأمين العام، والشيخ سعيد بن ناصر الغامدي، وعبد الله بن علي الغامدي، السكرتير عام، وفهد بن محمد الغويدي، المتحدث الرسمي.

المعارضة السعودية في الخارج، خاصّة المقيمة في أوروبا، تتسم عادةً بالانغلاق على نفسها، وتتجنّب الإعلان عن تعاونها مع الإخوان المسلمين. لكن خلف الأبواب المغلقة، تظهر خيوط التعاون، حيث تتقاطع مصالح الطرفين في استهداف النظام السعودي وتشويه صورته على المستوى الدولي.

من أبرز الأمثلة على ذلك، الضابط الجوي السابق يحيى عسيري، الذي انشق عن القوات الجوية السعودية، وأقام في لندن، ليؤسس منظمة "قسط لحقوق الإنسان". هذه المنظمة ارتبطت بعلاقات قوية مع أذرع الإخوان في أوروبا، وحصلت على دعم مالي من الجماعة. ورغم إصرار عسيري على إنكار أيّ تحالف سياسي مع الإخوان، إلا أنّه لا يخفي قناعته بأنّ التعاون معهم أمر حتمي.

الأخطر من ذلك، أنّ عسيري كانت تربطه علاقة تنظيمية قديمة بالإخواني سعود مختار الهاشمي، المعتقل في السعودية منذ عام 2007، ممّا يعكس امتدادًا فكريًا وتنظيميًا بينه وبين الجماعة، حتى وإن حاول تغليفه بخطاب حقوقي.
  • أذرع حقوقية بغطاء إخواني
واحدة من أبرز المؤسسات التي تكشف تداخل المعارضة السعودية مع الإخوان، هي مؤسسة الديمقراطية من أجل العالم العربي (DAWN)، التي يرأسها عبد الله العودة، نجل الداعية الإخواني المعروف سلمان العودة. عبد الله العودة لم يُخفِ يومًا علاقاته الوطيدة بالمجلس الإسلامي البريطاني، وهو أكبر مظلة إخوانية في بريطانيا.

هذه المؤسسة التي تُسوّق نفسها كمدافع عن الديمقراطية في العالم العربي، تتبنّى خطابًا سياسيًا يتماهى مع أجندة الإخوان في قضايا عدة، بدءًا من مهاجمة خصوم الجماعة الإقليميين، وصولًا إلى الترويج لمشروعها السياسي باعتباره "البديل الديمقراطي" في المنطقة، رغم تجارب الفشل التي حصدتها في بلدان أخرى.
  • وجوه إخوانية صريحة
لا يكتفي المجلس الوطني للإنقاذ بتعاون غير معلن مع الإخوان، بل يضم في صفوفه شخصيات تتبنّى الفكر الإخواني علنًا، وعلى رأسهم فهد بن محمد الغويدي، المتحدث الرسمي باسم المجلس في لندن. الغويدي معروف بتصريحاته التي تمجّد جماعة الإخوان وتدافع عنها، وكان من أوائل الأصوات المنادية بشرعية الرئيس المصري الراحل محمد مرسي، واصفًا الإخوان بأنّهم "صوت الحق".

ومن الأسماء التي لا يمكن تجاهلها عند الحديث عن المجلس الوطني للإنقاذ، سعد بن راشد الفقيه، مؤسس "الحركة الإسلامية للإصلاح" وأمين عام المجلس. الفقيه، الذي يُصنّف منذ سنوات كأحد أبرز أبواق الإخوان في السعودية، لعب دورًا محوريًا في توجيه أنشطة المعارضة الخارجية بما يخدم مصالح الجماعة.

كانت الساحة الجامعية في السعودية قد عرفت في مطلع التسعينيات بروز ما كان يُعرف بـ "لجنة لجام" داخل جامعة الملك سعود، وهي إطار جمع عددًا من الناشطين الإسلاميين، وشكّل المحرك الأساسي لظهور خطاب المطالب ثم بعد عام مذكرة النصيحة. وقد ارتبطت تلك التحركات بأسماء بارزة كان على رأسها سعد الفقيه، ومحمد المسعري، وعبد العزيز القاسم وغيرهم، قبل أن تتبلور لاحقًا في تأسيس لجنة الدفاع عن الحقوق الشرعية. هذه اللجنة شهدت انقسامًا، إذ اتجه جناحها الخارجي بقيادة الإخواني سعد الفقيه وعضو حزب التحرير محمد المسعري إلى الخارج، حيث أعيدت تسميتها على يد الفقيه لتصبح "حركة الإصلاح".

مع إدراك الدولة لخطورة هذا المسار وتنامي الطابع المعادي لها في خطاب تلك التيارات، أقدمت منتصف التسعينيات على اعتقال العديد من القيادات المذكورة. وفي هذا السياق وقع تفجير مبنى الحرس الوطني في الرياض عام 1995، وهو الحدث الذي مثّل نقطة تحول خطيرة.

بالتوازي، كان أسامة بن لادن قد غادر السعودية متجهًا إلى السودان، التي كان يهيمن على سلطتها حسن الترابي وجماعة الإخوان المسلمين. حيث ظهر ما سُمي بـ "هيئة النصيحة والإصلاح" التي كانت تُدار من لندن على يد خالد الفواز، ابتداءً من عام 1996، وتؤكد الوثائق أنّ العلاقة بين سعد الفقيه والفواز كانت وثيقة إلى حد الشراكة. فقد أسسا مكتبًا مشتركًا في أواخر التسعينيات، وتولى الفقيه دعم الفواز ماديًا ولوجستيًا.
  • الحاضنة المالية والإعلامية
لا يمكن فهم تنامي نفوذ المجلس الوطني للإنقاذ دون التوقف عند الدور الإخواني في دعمه. فالجماعة تحوّلت إلى مظلة تمويل وتنسيق لأنشطة المعارضة السعودية في الخارج، سواء عبر الدعم المباشر أو من خلال واجهات إعلامية ومنظمات حقوقية. من أبرزها مؤسسة "قسط" التي أسسها يحيى عسيري، وأنشطة عبد الله العودة، وتوفير منصات إعلامية لسعد الفقيه، كلها مؤشرات على أنّ الجماعة تدعم كل الكيانات التي يمكن أن تشكّل ضغطًا سياسيًا على الدول العربية، حتى لو جاءت هذه الكيانات تحت مسمّيات "حقوقية" أو "إصلاحية".
  • مركز الثقل للمعارضة السعودية
تتركز أغلب أنشطة المجلس الوطني للإنقاذ وواجهاته في لندن، حيث توفر البيئة القانونية والسياسية في بريطانيا ملاذًا آمنًا للمعارضة السياسية، حتى تلك التي تحمل أجندات متطرفة. هذه المدينة تحوّلت إلى غرفة عمليات تجمع بين المعارضين السعوديين والإخوان، سواء في اللقاءات العلنية أو في الاجتماعات المغلقة.

من هنا تبدو لندن نقطة الالتقاء التي تصبّ فيها خيوط الشبكات المختلفة: الإخوان الذين يتحركون تحت لافتات العمل الحقوقي، والمعارضون السعوديون الذين يوظفون خطاب الإصلاح السياسي، في إطار تحالف غير معلن يهدف إلى تشويه صورة السعودية على الساحة الدولية.
  • ما وراء الخطاب الإصلاحي
رغم تغليف أنشطة المجلس الوطني للإنقاذ بخطاب إصلاحي أو حقوقي، إلا أنّ الهدف الأعمق يتمثل في إعادة إنتاج المشروع السياسي للإخوان في الخليج. فالمجلس، بتكوينه الحالي، يعكس نموذجًا كلاسيكيًا لاستراتيجية الجماعة في التغلغل داخل الحركات المعارضة، وتحويلها إلى منصات تخدم مصالحها على المدى الطويل.

هذا النموذج سبق أن جُرّب في دول عربية أخرى، حيث دخل الإخوان في تحالفات مرحلية مع قوى معارضة، ثم ما لبثوا أن استحوذوا عليها، ووجهوها نحو مشروعهم الخاص. وإذا استمرت هذه الصلات، فإنّ المجلس الوطني للإنقاذ لن يكون سوى ذراع إخوانية صريحة في المشهد السياسي السعودي المعارض بالخارج.

والمتابع لأنشطة المجلس الوطني للإنقاذ، وشبكة علاقاته، وخطابه الإعلامي، سيجد أنّه يسير على خُطا الإخوان، سواء في اختيار القضايا التي يثيرها، أو في أسلوب التحشيد السياسي والإعلامي، أو حتى في شبكة التحالفات التي يديرها في أوروبا.

وبينما يحاول المجلس تقديم نفسه كصوت مستقل للمعارضة السعودية، تكشف الوقائع عن ارتباطات وثيقة تجعل من الصعب فصله عن المشروع الإخواني الأوسع. إنّ هذا التشابك بين المعارضة السعودية والإخوان في الخارج، خصوصًا في لندن، يضع علامات استفهام كبرى حول طبيعة هذا المجلس، ويؤكد أنّه ليس مجرد منصة إصلاحية، بل أداة سياسية في يد جماعة تتقن العمل تحت مظلات متعددة، بهدف إضعاف خصومها وتحقيق مكاسبها.

* صحفي مصري "حفريات"