حين يعلن العالم عن مبعوث أممي للتواصل مع أطراف الصراع في أي دولة تمر بأزمة، يتبادر إلى الذهن فورًا أن هذه الدولة تفتقد مبعوثها الوطني المخلص، الصوت الذي يضع مصالح شعبه فوق كل اعتبار، ويعرف متى يتحدث ومتى يصمت بحكمة وعقل. وجود مبعوث أممي بحد ذاته غالباً ما يكون دليلاً على فشل أبناء الدولة في إدارة خلافاتهم وعدم إدراك مصالحهم المشتركة.

حين يغيب صوت العقل داخل الوطن وتعلو أصوات المدافع والبنادق، يغيب صوت الداخل الحقيقي ويعلو صوت الخارج الدبلوماسي. يغيب المبعوث الوطني الذي يتحدث باسم الناس، فيما يحضر المبعوث الأممي بخطاب محايد لا يلامس الجرح العميق.

المبعوث الوطني ليس منصبًا ولا لقبًا، بل هو ضمير حي يعكس وجع القرى الجائعة والمدن المحاصرة. هو المثقف، الإعلامي، الشاب، والمرأة؛ كل من يضع الإنسان قبل السلطة. إنه الصوت الذي يقول للعالم: نحن بشر نحلم بالسلام والكرامة والعيش الكريم، ولسنا مجرد أرقام في تقارير أو عناوين عابرة.

أما المبعوث الأممي، فحضوره يتكرر في البيانات واللقاءات دون أثر ملموس. عباراته عن "ضبط النفس" و"العودة إلى المفاوضات" لا توقف نزيف الدم ولا تشفي الجوع. وجوده قد يكون ضرورياً، لكنه بلا قيمة حقيقية إذا لم يجد شريكاً وطنياً صادقاً في الداخل.

الأزمة اليمنية ليست مجرد حرب أو انقسامات، بل هي غياب المرجعية الوطنية القادرة على إعادة ترتيب الأولويات: الإنسان قبل السلطة، والوطن قبل الاحتراب، بدون هذا الصوت الداخلي، يظل السلام المستورد هشًّا وسريع الانهيار عند أول اختبار. أما السلام الوطني، فهو القادر على البقاء لأنه متجذر في الأرض والتاريخ والذاكرة.

اليمن بحاجة اليوم إلى أن يستعيد "مبعوثه الوطني"، الذي يتحدث من وجع الناس لا من أوراق المجتمع الدولي، من الأرض لا من الفنادق. عندها فقط يصبح المبعوث الأممي شريكاً لا بديلاً، مساعداً لا مقررًا. فالسلام الحقيقي لا يُصنع في الخارج، بل يُبنى من الداخل.

الخارج مهما تدخل، لن يصنع حلولاً دائمة. اليمنيون وحدهم مطالبون بالوقوف أمام أزمتهم، ووضع النقاط على الحروف، والعودة إلى الحلول الواقعية. البداية الحقيقية للحل تكمن في الاعتراف بأخطائنا التاريخية وصياغة مشروع وطني خالص، لا انتظار وصفات مستوردة تزيد الجرح عمقاً. اليمن لن ينهض إلا بأبنائه، وعندما يحضر المبعوث الوطني، سيكتشف العالم أن هذا البلد قادر على صناعة سلامه بنفسه، سلام يولد من الداخل ليبقى.

السلام في اليمن لن يتحقق إلا بالعودة إلى جذور الأزمة، إلى ما قبل 22 مايو 1990، اليوم الذي أسميه يوم سقوط الوفاق لا يوم إعلان الوحدة. حينها غلبت العاطفة على العقل، وصيغ مشروع لم يكن قائمًا على أسس واقعية ولا توافق وطني راسخ. المكابرة في الدفاع عن حلول فاشلة أوصلتنا بعد خمسة وثلاثين عامًا إلى هذا المصير. لقد آن الأوان لوضع حد لغياب المبعوث الوطني، والاعتراف بأن السلام الدائم يبدأ من قراءة صحيحة للتاريخ، لا من تكرار أخطاء الماضي.