بعض من يحاكمون ماضينا القريب الذي ما زالت أحداثه وحقائقه حيَّة في وجدان الناس وفي ذاكرة المعاصرين، يصفونه بنعوتٍ غير منصفة ومبالغ فيها في العداء لكل شيء، وكأنه خالٍ من أي إيجابية تُذكر في نظرهم، انطلاقًا من توجهاتهم وقناعاتهم الحالية التي يزنون فيها أحداث الماضي ويقيسون عليها أحكامهم بتطرف ملحوظ يجانب الإنصاف والموضوعية، وأمثال أولئك (المتطرفين) لو عاشوا تلك المرحلة لربما كانوا اكثر تطرفا وتشددا للماضي من رجالات تلك المرحلة أنفسهم.

إنّ من الخطأ أن نحاكم الماضي بمعايير اليوم دون أن نستحضر ظروفه وملابساته؛ فلكل مرحلة سياقها الخاص، وأي قراءة منصفة للتاريخ لا بد أن تكون بعينٍ موضوعية تُدرك أن رجالات تلك الفترات كانوا نتاج بيئاتهم وتحديات زمانهم. والعدل في الحكم يقتضي أن نزنهم بميزان عصرهم، لا بميزاننا نحن. أما من يتعسف في إسقاط أحكام الحاضر على الماضي، فإنه لا ينصف التاريخ ولا يستفيد منه.

فلنأخذ من ماضينا دروس الحكمة، لا مطرقة الإدانة، ولنستلهم منه العبر التي تقودنا إلى بناء مستقبلٍ أكثر وعيًا واتزانًا. إن خير ما يمكن أن نتمسك به اليوم هو الوسطية التي ترفعنا فوق خطابات الكراهية، وتحفظنا من الانجرار وراء نزعات الغلو أو التسيب، فـخير الأمور أوساطها.

لقد جاءت رسالة الإسلام لتضع للإنسان ميزانًا دقيقًا يزن به أقواله وأفعاله، بعيدًا عن الغلو والتفريط، فقال تعالى:

((وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا))، أي: عدولًا خيارًا، لا إفراط ولا تفريط، بل اعتدالٌ يحقق التوازن بين حاجات الروح والجسد، وبين مطالب الدنيا والآخرة.

إن الوسطية ليست مجرد خيارٍ بين طرفين، بل هي موقف راشد ينبع من البصيرة والوعي، ويحفظ الإنسان من الانزلاق إلى مهاوي التطرف الذي لا يجلب إلا الفوضى والخراب. فالتطرف - سواء كان سياسيًا أو دينيًا أو اجتماعيًا - لا يعبّر عن قوة المبدأ، بل عن ضيق أفقٍ وعجزٍ عن استيعاب اختلاف الآخرين. والمتطرف، مهما بدا متماسكًا في ظاهره، إنما يعيش أسيرًا لوهم امتلاك الحقيقة المطلقة، فلا يرى للآخرين حقًا في الرأي ولا في الاجتهاد، وبذلك يتحول إلى أداة هدم بدل أن يكون لبنة بناء.

وعلى العكس، فإن الوسطية تعكس نضج العقل ورجاحة القلب، فهي التي تُبقي المجتمع متماسكًا، وتُهيئ الأرضية للحوار والتعايش، وتحفظ المجتمع من الانقسام والتشظي. فهي ترفض التشدد باسم الدين، كما ترفض الانفلات باسم الحرية، وتزن الأمور بمقياس العدل الذي لا يميل مع الهوى، ولا يُساير ضغط اللحظة.

فلنحكم على الأمور بإنصاف وبمقاييس موضوعيه وذاتيه لنفس تلك الفترات التي مضت وليس بمقاييس اليوم او بما نراه ونعتقده اليوم. بذلك ننصف أحداث ماضينا ونتعلم منها بأخذ الدروس والعبر..

وخير الأمور أوسطها..