أخر تحديث للموقع
الاثنين, 03 أغسطس 2026 - 01:08 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • الجنوب بين نار الإقليم وضياع القرار... هل يدفع الجنوبيون ثمن الحرب القادمة؟

    د. عبدالله عبدالصمد




    كل المؤشرات تشير إلى أن المنطقة تقف على أعتاب مرحلة جديدة، قد تكون الأكثر اضطراباً منذ سنوات. البحر الأحمر لم يعد مجرد ممر ملاحي، والخليج لم يعد مجرد ساحة تنافس سياسي، واليمن لم يعد مجرد حرب داخلية، بل أصبح جزءاً من صراع إقليمي ودولي تتداخل فيه المصالح العسكرية والاقتصادية والاستراتيجية.

    وفي قلب هذا المشهد يقف الجنوب... لكنه يقف هذه المرة مثقلاً بالأسئلة، لا بالإجابات.

    فإذا اندلعت مواجهة واسعة مع الحوثيين، فما هو موقع الجنوب منها؟ وهل ستكون الحرب دفاعاً عن مشروعه الوطني، أم دفاعاً عن حسابات إقليمية لا يملك قرارها؟ ومن الذي اتخذ القرار أصلاً؟ وهل يعلم المواطن الجنوبي ما الذي ينتظره في الأيام المقبلة؟

    هذه الأسئلة ليست ترفاً سياسياً، بل أصبحت ضرورة وطنية، لأن الشعوب هي التي تدفع ثمن الحروب، بينما تُتخذ القرارات في أماكن أخرى.

    ما يثير القلق أن الجنوب يعيش منذ أشهر حالة غير مسبوقة من الغموض. فمنذ أحداث حضرموت، تراجع الحضور السياسي والإعلامي للقيادات، وغابت المصارحة مع الناس، ولم يصدر خطاب واضح يحدد طبيعة المرحلة أو يجيب عن المخاوف المتزايدة. وفي الوقت الذي تتسارع فيه التطورات، يجد المواطن نفسه أمام سيل من الإشاعات والتسريبات أكثر من الحقائق.

    وفي المقابل، يتغير ميزان النفوذ داخل الجنوب. فبعد سنوات كان فيها الحضور الإماراتي هو الأكثر وضوحاً، أصبحت السعودية اليوم صاحبة الدور الأبرز في إدارة كثير من الملفات السياسية والعسكرية. وهذا التحول لا يمكن تجاهله، لأنه يعيد رسم موازين القوى، ويطرح تساؤلات حول مستقبل القرار الجنوبي، وحدود استقلاليته.

    الحقيقة التي لا يمكن إنكارها هي أن القوى الإقليمية تتحرك وفق مصالحها الوطنية، وهذا أمر مفهوم في العلاقات الدولية. لكن السؤال الذي يجب أن يُطرح هو: أين المصلحة الوطنية الجنوبية وسط كل هذه التحولات؟ وهل ما زالت هي البوصلة، أم أصبحت مجرد بند مؤجل في أجندات أكبر؟

    الأخطر من ذلك أن أي حرب جديدة ستدفع ثمنها الطبقات البسيطة أولاً. فهناك من سيذهب إلى الجبهات بدافع الحاجة الاقتصادية، وهناك من سينطلق استجابة لتوجيهات قياداته، بينما ستتحمل الأسر الجنوبية كلفة الدم والنزوح والفقر. وفي نهاية المطاف، قد يكتشف الجميع أن الجنوب خرج بخسائر جديدة، دون أن يقترب أكثر من تحقيق مشروعه الوطني.

    إن القضية الجنوبية لا يمكن أن تبقى رهينة للصراعات الإقليمية، ولا يجوز أن تتحول تضحيات أبناء الجنوب إلى أوراق تفاوض على طاولات الآخرين. فالقضية التي قدم من أجلها الآلاف دماءهم تستحق أن يكون قرارها مستقلاً، وأن يكون معيار أي موقف سياسي أو عسكري هو مصلحة الجنوب أولاً وأخيراً.

    إن المرحلة القادمة قد تكون مفصلية، ليس لأنها تحمل احتمال الحرب فقط، بل لأنها ستكشف ما إذا كان الجنوب يمتلك إرادته السياسية، أم أنه ما زال ينتظر من الآخرين أن يحددوا له اتجاهه ومستقبله.

    ويبقى السؤال الذي سيحكم المرحلة كلها: هل سيتحول الجنوب مرة أخرى إلى ساحة لحروب الآخرين، أم ينجح هذه المرة في حماية قراره الوطني، ووضع مصلحة شعبه فوق كل الحسابات؟

المزيد من مقالات (د. عبدالله عبدالصمد)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال