استبشر الناس كثيرًا بعد الإصلاحات الاقتصادية الأخيرة، وتحسن صرف العملة الأجنبية وانخفاض الأسعار، لتطل علينا من جديد أزمات متعددة، وكأن مصير المواطن أن يعيش الإحباط واليأس. فالدولة العميقة تبدو حاضرة في كل زاوية، لتقف في وجه أي أمل قد يستفيد منه المواطن البسيط الذي كابد آلام الصراع والفساد لعقود طويلة.

تكشف هذه الأزمات أن شراكة اتفاق الرياض كانت قائمة على حلول ترقيعية وأحلام بعيدة عن الواقع، لم تكن سوى وصفة للفشل. فالتوافق الهش المبني على مصالح متضاربة لم يؤدي إلا إلى أزمة أعمق، حيث المواطن البسيط هو من يدفع الثمن، وتتجدد الصراعات يوميًا بمظاهر متعددة من حروب عسكرية وفساد وأزمات متنوعة بلا نهاية.

هذه الشراكة لم تحرر اليمن من الحوثي، ولم توفر الخدمات الأساسية، ولم توحد الجهود في تحقيق السلام، لتبدو وكأنها حرب من نوع آخر تجري رحاها في ميادين الاقتصاد والخدمات اليومية للمواطنين. وضحاياها هم المواطنون المغلوبون على أمرهم؛ شهداؤها وجرحاها ليسوا فقط من الحرب المباشرة، بل من الجوع والمرض والفقر وسوء التغذية ونقص الرعاية الصحية، إضافة إلى الانقطاعات المتكررة للكهرباء والماء.

الأزمة المالية الحالية، المتمثلة بعدم قدرة الحكومة على صرف رواتب موظفيها المدنيين في مواعيدها، زادت الضغوط على المواطنين وفاقمت أزماتهم، خصوصًا بعد العودة إلى المدارس وانتهاء إضراب المعلمين. وإذا لم يتم تدارك هذه الأزمة عاجلًا، فقد تترتب عليها تبعات اجتماعية واقتصادية أكثر خطورة.

قد يبدو السبب الظاهر في نقص السيولة النقدية بالبنك المركزي، لكن عند التدقيق أكثر، يتضح أن الأزمة تتجاوز مجرد نقص النقود. هناك تحديات إدارية واضحة، تتمثل في ضعف التخطيط المالي وتأخر الإجراءات الحكومية في تخصيص الموارد وصرف الرواتب، مما يزيد حدة الأزمة ويجعل السيولة المحدودة أكثر تأثيرًا.

ولا يمكن إغفال الفساد المستشري في هدر مقدرات الشعب، سواء بعدم توريد الإيرادات من بعض الجهات الحكومية إلى البنك المركزي، أو عدم ضبط النفقات الجارية، والاعتماد المفرط على المساعدات الخارجية، والتخريب الضريبي. كل ذلك يعكس أزمة مؤسسية عميقة.

باختصار، ما نشهده ليس مجرد مشكلة نقدية، بل هو مزيج من أزمة سيولة حقيقية وأزمة حكومية في إدارة الموارد المالية. السيولة المحدودة هي النتيجة الظاهرة، بينما ضعف الأداء الحكومي يمثل السبب الجذري الذي يجعل الأزمة تتفاقم، لتكشف هذه الأزمات بجلاء عمق الفشل في الشراكة والخلاف بين أعضاء المجلس الرئاسي منذ توقيع اتفاق الرياض.

ستستمر المفاجآت وتتعدد الأزمات طالما استمر هذا الوضع على ما هو عليه. وكل يوم سيظهر إشكال جديد، وكلما اجتهد الشرفاء في الحكومة في ترقيع الفجوات وإيجاد الحلول، ستظهر فجوات أوسع. وحتى عند مراجعة مجريات الأحداث خلال العقد الأخير، سيحتار العقل في تفسير هذه الأزمات وتنوعها، وسيختلط على البعض الحابل بالنابل، لدرجة أن بعض الناس قد غيروا مواقفهم أكثر من عشر مرات وتنقلوا بين مختلف أوجه الأزمة.

لن يصلح حال البلاد والعباد إلا بحلول واقعية وجهود دولية وإقليمية توقف هذا العبث المستمر منذ زمن طويل، مع الإقرار بفشل اتفاق الرياض ووضع النقاط على الحروف لفرض الحلول الحقيقية وإنقاذ ما يمكن إنقاذه.