منذ تأسيسه، كان المجلس الانتقالي الجنوبي في قلب العاصفة، يواجه مطبات عسكرية واقتصادية فرضها خصوم مشروع الجنوب وقضيته العادلة. ولم تقتصر الضغوط على الأرض، بل امتدت إلى الحملات الإعلامية المنظمة واستغلال اتفاق الرياض لفرض تبعات الأزمات الاقتصادية وتردي الخدمات على المجلس، مع توجيه الرأي العام ضده.

ولم تقتصر المحاولات على الضغط الاقتصادي فقط، بل شملت أيضًا حملات تشويه استهدفت قياداته السياسية والعسكرية، بهدف زعزعة موقف المجلس وزرع الشكوك في الشارع الجنوبي. هذه الضغوط المفتعلة انعكست أحيانًا على الأداء الإداري، فبرزت حالات من التردد والقصور وسط تحديات معقدة.

مع ذلك، ظل الشارع الجنوبي بوعيه متفهمًا لمواقف المجلس ومتماسكًا معه، وإن تأثرت بعض الشرائح بالخطاب المعادي، وهو ما يمثل اختبارًا إضافيًا للقيادة.

خلال هذه المراحل، حاول المجلس الانتقالي مواجهة التحديات، وآخرها القرارات التي أصدرها الرئيس عيدروس الزبيدي لتأكيد الموقف وتوجيه مسار العمل. وفي هذا التوقيت جاء منشور اللواء الركن أحمد سعيد بن بريك، نائب رئيس المجلس ومحافظ حضرموت الأسبق، على منصة "أكس"، بعنوان "مستقبل الجنوب في ظل المتغيرات الإقليمية والدولية الحالية"، ليضع خارطة واضحة للمرحلة المقبلة.

أكد بن بريك أن الجنوب يقف عند مفترق طرق مصيري، وأن اجتياز المرحلة يتطلب قيادة واعية، رؤية استراتيجية واضحة، وحوارًا شاملًا مع كافة المكونات السياسية والاجتماعية. وحدد خطوات عملية تشمل تحرير صانع القرار من دوائر الضجيج السياسي، بناء منظومة حوكمة رشيدة، وضع استراتيجية اقتصادية واضحة، واتباع خطاب إعلامي عقلاني يطمئن الداخل ويعزز الثقة مع الخارج.

يمكن قراءة موقف المجلس وفق هذا المنشور من زاويتين: الضغوط الخارجية التي تحد من هامش المناورة، والقصور الداخلي الذي يحتاج إلى تعزيز مؤسسات المجلس وإحاطة القيادة بخبراء قادرين على صنع التوازن وتحقيق الإنجازات الملموسة، خصوصًا أثناء مواجهة أعاصير التآمر .

وفق هذا المنظور، يظهر أن المجلس ليس مجرد ضحية للظروف، بل أمام امتحان مزدوج: مقاومة الضغوط الخارجية ومعالجة القصور الداخلي، وتحويل التحديات إلى فرص، بما يضمن بناء مؤسسات قوية ونتائج ملموسة تلبي طموحات الشعب الجنوبي في المستقبل.

قد يتساءل البعض عن سبب نشر بن بريك هذا الطرح عبر منصات التواصل الاجتماعي بدلًا من مناقشته داخليًا، وذهب البعض إلى تفسير المنشور على أنه مؤشر لخلاف داخل المجلس، لكن الهدف الحقيقي كان توعية الجنوبيين بخطورة المرحلة والحاجة إلى التكاتف والعمل الجماعي. ولعل القراءة الأولية منه ترسم الخطوط العريضة للمرحلة القادمة من نشاط المجلس الانتقالي.

في هذه المرحلة الحرجة، أصبح التكاتف الشعبي والوطني ضرورة، ودعم القيادة، وعلى رأسها الرئيس عيدروس الزبيدي، عاملاً حاسمًا لضمان استمرار المشروع الوطني الجنوبي نحو دولة قوية ومسؤولة. وفي الوقت نفسه، يظل الحوار المفتوح مع كافة الشرائح ومناقشة القضايا المصيرية عبر الهيئات العليا للمجلس أداة أساسية لتعزيز الشفافية، وبناء الثقة، وضمان اتخاذ القرارات بحكمة ووضوح.

ويجب أن يقف الجنوب موحدًا مع نفسه وقضيته، ويتعلم من الشمال كيف تقف كل شرائحه ضد قضيته، ويدرك أن المجلس الانتقالي الجنوبي اليوم له من اسمه نصيب، لكن الجنوب في المستقبل من اسمه مصير.