> بيروت «الأيام» العرب:
قال أمين المجلس الأعلى للأمن القومي الإيراني، علي لاريجاني، اليوم السبت، إن "السعودية دولة صديقة"، مشيدًا بدعوة نائب الأمين العام لحزب الله، الشيخ نعيم قاسم، للحوار معها.
التصريحات التي جاءت خلال زيارة لاريجاني إلى بيروت، أثارت تساؤلات حول خلفياتها وتوقيتها، خاصة في ظل التبدلات الجيوسياسية الحادة في المنطقة، وحالة الارتباك التي تمر بها إيران ووكلاؤها بعد الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وتداعياتها على التوازنات الإقليمية.
وخلال مؤتمر صحفي عقب لقائه رئيس البرلمان اللبناني نبيه بري، اعتبر لاريجاني أن "لبنان بلد صغير جغرافيا لكنه قوي في مواجهة إسرائيل"، مضيفًا "أشيد بمبادرة حزب الله للحوار مع السعودية، لأنها دولة صديقة لنا، وهناك مشاورات بيننا، واليوم هو يوم التعاون إذ إننا في مواجهة عدو واحد، وموقف نعيم قاسم صائب تمامًا، وصحيح".
وكان نعيم قاسم دعا، الأسبوع الجاري المملكة العربية السعودية إلى فتح صفحة جديدة مع "حزب الله"، تقوم على "حوار يعالج إشكاليات الماضي ويؤمن المصالح المستقبلية"، فيما لم يصدر عن الرياض أي تعليق رسمي على هذه الدعوة حتى الآن.
وفي المقابل تحدثت بعض الصحف عن "رد ضمني سعودي"، نقلًا عما وصف بأنها مصادر مطلعة شددت على أن المملكة تؤمن بأن العلاقة يجب أن تكون دولة إلى دولة، وأن على حزب الله إن كان جادًا أن يلتزم بقرارات الدولة اللبنانية. ولكنه ليس ردًا رسميًا مباشرًا من الدولة السعودية.
وتأتي هذه المبادرات الكلامية في وقت تشهد فيه إيران وحلفاؤها، وعلى رأسهم "حزب الله"، ضغوطًا غير مسبوقة على أكثر من ساحة، بعد التحولات الإقليمية الكبيرة التي فرضتها الحرب الإسرائيلية الأخيرة على غزة، وما تلاها من حروب في لبنان وسوريا والعراق واليمن والتي أضعفت وكلاء طهران بشكل غير مسبوق.
ويرى مراقبون أن هذا الانفتاح الإيراني الهام تجاه السعودية، عبر تصريحات لاريجاني ودعوة نعيم قاسم، يعكس تراجعًا واضحًا في نفوذ طهران في الإقليم، ومحاولة لاستيعاب موجة التغييرات التي دفعت كثيرًا من الدول العربية إلى تعزيز التعاون مع قوى دولية جديدة، وإعادة ترتيب أولوياتها بعيدًا عن محاور الصراع التقليدية.
ولم تصدر السعودية، من جهتها، موقفًا رسميًا تجاه الدعوة، في وقت يعرف فيه عن الرياض أنها تتعامل مع الدول ذات السيادة والمؤسسات الشرعية، لا مع الجماعات أو الميليشيات، خاصة تلك التي تُتهم في عدد من الساحات بإثارة النعرات الطائفية والتطرف، وتورطت في صراعات مزقت مجتمعات عربية هشة.
وتأتي هذه الرؤية السعودية في سياق متسق مع سياساتها الإقليمية الجديدة، التي تركز على تعزيز الاستقرار، ودعم مشاريع التنمية، والعمل من أجل إنهاء النزاعات، لا تغذيتها.
وفي هذا السياق، تؤكد تصريحات لاريجاني الأخيرة، ضمنيًا، مكانة السعودية كطرف محوري لا يمكن تجاوزه في المعادلة الإقليمية، خاصة في ظل الجهود الدبلوماسية النشطة التي تقوم بها الرياض لدعم السلام، سواء في اليمن أو في الملف الفلسطيني، بما في ذلك جهودها مع العواصم الدولية والإقليمية للدفع نحو حل الدولتين، وإقامة دولة فلسطينية مستقلة.
من جهة أخرى، تعكس هذه اللهجة التصالحية، التي باتت تظهر على لسان مسؤولين إيرانيين وقادة في "حزب الله"، إدراكًا عميقًا لحجم التحولات في ميزان القوى، ليس فقط على الصعيد العسكري أو الأمني، بل أيضًا على صعيد النفوذ السياسي والإعلامي والشعبي.
فبعد سنوات من تصدير صورة "المحور القوي" الذي يمتد من طهران إلى بيروت، تجد إيران نفسها اليوم أمام شبكة من التحديات المتزامنة، في وقت تزداد فيه العزلة الدولية وتضيق خيارات التموضع السياسي. وهو ما يفسر التحرك الإيراني نحو دول كانت في فترة سابقة ضمن خانة الخصوم، وعلى رأسها السعودية.
ويأتي هذا الموقف الإيراني تجاه السعودية في سياق أوسع من جهود إعادة ترميم العلاقات بين البلدين، بعد سنوات من التوتر والقطيعة. ففي مارس 2023، استضافت العاصمة الصينية بكين مؤتمرًا ثلاثيًا جمع ممثلين عن السعودية وإيران برعاية صينية، تُوج بالإعلان عن اتفاق لاستئناف العلاقات الدبلوماسية بين الرياض وطهران، وفتح السفارات من جديد. هذا الاتفاق، الذي اعتُبر لحظة مفصلية في خارطة التحالفات الإقليمية، شكّل منعطفًا في السياسة الخارجية الإيرانية، ودفع طهران إلى إعادة النظر في لهجتها تجاه عدد من الدول العربية، وعلى رأسها السعودية، التي تواصل لعب دور محوري في جهود استقرار المنطقة.
وتدرك السعودية، التي التزمت الصمت حتى اللحظة، جيدًا أن وزنها الإقليمي لا يحتاج إلى ترويج أو وسطاء، وأنها تتعامل مع الدول لا الجماعات، وهو ما يجعل أي دعوة للحوار معها تمر، أولًا، من بوابة احترام سيادة الدولة اللبنانية وقرارها الوطني المستقل.



















