> صالح البخيتي:

في قلب جبال يافع الوعرة حيث تتقاطع الطبيعة القاسية مع الإهمال الرسمي، تنبض قصة إنسانية تُروى من خلال وحدة صحية متهالكة في منطقة الرباط (مشالة)، بمحافظة لحج. هناك، لا تُسمع صفارات سيارات الإسعاف، ولا تُشاهد عربات الطوارئ، بل تُنقل اللقاحات على ظهور الحمير، وأيضًا تُقدّم الرعاية الصحية في مبنى آيل للسقوط، وسط صمت رسمي مطبق لا يُكسره سوى صدى صرخات الأهالي وهموم المتطوعات.
  • مشالة.. حيث تُقاوم الحياة على ظهور الحمير
في منطقة محاصرة بجبال شاهقة وطرقات وعرة، تقف الوحدة الصحية في الرباط – مشالة كخط الدفاع الأول والأخير ضد الأمراض. وفي هذه المنطقة التي تفتخر أنها أنجبت رموزًا وطنية بارزة منهم الشهيد منير محمود أبو اليمامة والقائد محمد صالح طماح تعاني اليوم من غياب شبه تام للبنية التحتية الصحية، ما يجعل من استمرار الإهمال فيها مفارقة موجعة تستوجب وقفة جادة من الجهات المعنية.
  • وحدة صحية تصارع العزلة
الوحدة الصحية في مشالة ليست مجرد مبنى، بل تمثل شريان حياة يخدم أكثر من 28 منطقة جبلية نائية، من بينها الرهوة - القود - الغول - المدراج - الحضيرة - الجبل - الديام - لكمة الحيد - علفاق - العارضة - الساكن وغيرها.


ويبلغ عدد سكان هذه المناطق نحو 4000 نسمة، يعيشون في عزلة صحية شبه تامة، ويعتمدون بشكل كامل على هذه الوحدة لتلقي الرعاية الأولية، خصوصًا الأطفال وكبار السن.

رغم وجود ست وحدات صحية في مديرية يهر، إلا أن وحدة الرباط مشالة تتحمل العبء الأكبر، لعدم وجود مراكز بديلة قريبة أو وسائل نقل تُسعف المرضى إلى المستشفيات المركزية.
  • نقص الأدوية... خطر يهدد الحياة
غياب الأدوية الأساسية، خاصة تلك المخصصة لحالات الطوارئ للأطفال والنساء الحوامل، يجعل من كل حالة طبية تحديًا حقيقيًا. كما أن غياب أدوات الفحص الطبي يُجبر العاملين على الاعتماد على التقدير البصري، ما يؤدي إلى ضعف دقة التشخيص وارتفاع نسب المضاعفات وزيادة احتمالية الوفاة في الحالات الحرجة.


جميع المتطوعين المتعاقدين في إطار الوحدة الصحية يواجهون هذه التحديات دون أي دعم لوجستي أو طبي ما يجعل من كل يوم عمل مغامرة إنسانية محفوفة بالمخاطر.
  • كوادر متواضعة... ومسؤوليات عظيمة
في ظل غياب الكوادر الطبية المؤهلة، تتقدم مجموعة من الفتيات المتطوعات، بعضهن لم يُكملن تعليمهن الأساسي لتأدية مهام التمريض والمساعدة الطبية. هؤلاء العاملات يعملن ضمن برنامج صحة المجتمع، ويشاركن في حملات التحصين ضد الأمراض منها شلل الأطفال والحصبة الألمانية والكزاز والإسهالات المائية والحميات.

ورغم قلة التدريب والدعم، يتحملن مسؤوليات تشمل: تسجيل بيانات المرضى ومتابعة الحالات الطارئة وتقديم النصائح الصحية وتنظيم الحملات الميدانية.ويعملن في ظروف مناخية قاسية، ويقطعن مسافات طويلة سيرًا على الأقدام في الجبال دون أي حوافز مالية أو دعم نفسي.
  • اللقاحات على ظهور الحمير... رحلة الحياة
حين تغيب الطرق، تُصبح الحمير وسيلة الإنقاذ الوحيدة. تُحمّل عليها ثلاجات صغيرة لحفظ اللقاحات، ويتم نقلها عبر دروب جبلية وعرة تستغرق أكثر من عشر ساعات. هذه الرحلات تُنفذ في ظل انعدام الكهرباء وغياب وسائل النقل وتضاريس خطيرة ومخاطر الانهيارات الأرضية.


ورغم كل هذا، تواصل الفرق الصحية – ومعظمها من النساء المتطوعات هذه المهام بإصرار نادر فقط لتصل إلى طفل ينتظر جرعة حياة.
  • مبنى متهالك... لكن الأمل لا ينهار
الوحدة الصحية تعمل داخل مبنى قديم كان في الأصل مدرسة، جدرانه متصدعة وسقفه مهدد بالانهيار، خاصة في موسم الأمطار يفتقر إلى غرفة طوارئ، أدوات فحص، أثاث طبي ووسائل تعقيم. حيث أن المرضى يُفحصون في غرفة ضيقة، والعاملون يعملون تحت خطر دائم. ومع ذلك، يستمر العمل لأن التوقف يعني ترك آلاف السكان بلا رعاية صحية.
  • المجتمع المحلي... شريك في البقاء
رغم كل الصعوبات، يواصل الكادر الطبي والمتطوعات تقديم الخدمات الصحية بدعم من المجتمع المحلي. الأهالي لا يقفون موقف المتفرج، بل يشاركون في نقل المرضى وتأمين الطرق وتنظيم الحملات الميدانية وحمل اللقاحات. هذا التكاتف حوّل الوحدة الصحية إلى مركز إنساني.
  • نداء عاجل من مدير الصحة... هل من مجيب؟
الدكتور فهد منصر السالمي مدير مكتب الصحة في مديرية يهر، أطلق نداءً عاجلًا للجهات المعنية، أشار فيه أن الوضع في الوحدة الصحية خطير للغاية، ويحتاج إلى مبنى متكامل، وكوادر مؤهلة، وأدوية ومستلزمات طبية، ودعم لوجستي عاجل. مؤكدًا أن استمرار الوضع الحالي سيؤدي إلى انهيار كامل، داعيًا وزارة الصحة والمنظمات الدولية إلى التدخل الفوري لإنقاذ ما تبقى من الأمل.
  • صرخة الأهالي... من أجل الحياة
من جانبه الناشط المجتمعي عابر قاسم الفتى، أكد أن الوحدة الصحية في الرباط ليست مجرد صرح مؤقت، بل الأمل الوحيد لسكان القرى النائية. وأضاف أن ما يحدث هنا ليس مجرد نقص، بل أزمة إنسانية تحتاج إلى تحرك عاجل من كافة الجهات المعنية. كما طالب بدعم المتطوعات اللواتي يبذلن جهودًا تفوق طاقتهن، ويجب أن يُكافأن بدعم حقيقي لا بكلمات عابرة.