> «الأيام» وضاح الجليل:
لم يعد العثور على فرصة عمل في اليمن يعني بالضرورة القدرة على إعالة أسرة أو تأمين الحد الأدنى من متطلبات الحياة، فبعد أكثر من عقد من الحرب والانهيار الاقتصادي، بات ملايين اليمنيين عالقين بين البطالة وتراجع فرص التشغيل.

ويواجه من لا يزالون يحتفظون بوظائفهم واقعاً لا يقل قسوة، يتمثل في تدني الأجور، وتأخر صرف الرواتب، وتقليص ساعات العمل، وغياب الحماية في بيئات عمل تزداد مشقة يوماً بعد آخر.
وتزداد شكاوى عمال الأجر اليومي من تراجع الأعمال وتوقف كثير من الأنشطة التي كانت توفر لهم فرصاً منتظمة لكسب الدخل، في وقت أصبحت فيه المنافسة على الأعمال المحدودة أكثر شدة، بينما لا يضمن العامل الذي ينجح في الحصول على فرصة عمل، دخلاً ثابتاً أو أجراً يكفي لتغطية احتياجات عائلته الأساسية.
فمنذ ما بعد إجازة عيد الأضحى قبل قرابة شهرين، عجز عبد الحكيم محمد عن الحصول على فرصة عمل إلا لبضعة أيام، رغم أنه عامل متعدد المهن، وينتمي لمديرية المقاطرة في محافظة لحج، التي يتنقل بينها و بين العاصمة عدن للبحث عن فرص عمل في الزراعة أو البناء أو الدهان والطلاء.
- أيامًا طويلة في انتظار فرصة تشغيل
ويكشف محمد لـ«الشرق الأوسط» عن أن من يحتاجون إلى من يؤدي لهم بعض المهام الحرفية بالأجر اليومي باتوا أكثر حرصاً على مفاوضة العمال على الأجور، مبيناً أن اتساع رقعة البطالة يجبر العمال على القبول بأي مبلغ، خصوصاً بعد الركود الاقتصادي الذي تفاقم خلال الأشهر الأخيرة.

وتؤكد مؤشرات اقتصادية وتقارير أممية واقع المعاناة التي يعيشها عشرات الآلاف من العمال اليمنيين، إذ أوضحت شبكة نظام الإنذار المبكر بالمجاعة أن معدلات البطالة الرسمية في اليمن تبلغ نحو 17 في المائة من إجمالي القوى العاملة.
يعدّ اليمن من بين الدول ذات أدنى معدلات المشاركة الاقتصادية عالمياً، إذ لا يشارك سوى نحو ثلث السكان في سن العمل في النشاط الاقتصادي، نتيجة عجز الاقتصاد المنهك عن استيعاب مزيد من العمالة.
- ظروف قاسية
ولا تبدو الأوضاع أفضل في الأرياف، حيث يواجه المزارعون والعمال الزراعيون تحديات كثيرة نتيجة محدودية الوصول إلى الأراضي الزراعية ومصادر المياه ومدخلات الإنتاج، الأمر الذي انعكس على حجم الإنتاج الزراعي، وخفض فرص العمل الموسمية، وقلّص دخول الأسر الريفية التي تعتمد بصورة رئيسية على الزراعة وتربية الماشية.

ويجد ملاك أراضِِ زراعية في لحج وتعز صعوبة في القدرة على دفع أجور مناسبة للعمال الزراعيين، مقابل مخاوفهم من عدم جدوى الموسم الزراعي الذي يعتمد على مياه الأمطار، التي لا يضمنون استدامتها أو عدم جرف سيولها للتربة والمحاصيل في ظل الاضطرابات المناخية التي تشهدها البلاد منذ سنوات.
ويقول رضوان الشرجبي وهو موظف في شركة تجارية وابن أحد المزارعين في مديرية الشمايتين في تعز، إنه يضطر لمساعدة والده في دفع أجور العمال الزراعيين بعد عجز والده عن ذلك، على أمل أن يكفي محصول الحبوب في نهاية الموسم لمساعدة العائلة في الاكتفاء الذاتي.
ويوضح الشرجبي لـ«الشرق الأوسط» أنه يقدم هذه المساعدة لوالده ليوفر عليه عناء الاضطرار للبحث عن فرصة عمل لتوفير الغذاء خلال فصل الشتاء من جهة، إلى جانب رغبته في تمكين بعض العمال العاطلين في قريته من فرصة عمل وإن كانت محدودة.
وتشير تقديرات الشبكة الأممية إلى أن الأسر الفقيرة في المدن أصبحت تعتمد بصورة كبيرة على القطاع غير الرسمي، مثل أعمال البناء والنقل والتجارة الصغيرة والحرف، غير أن تراجع النشاط الاقتصادي أدى إلى احتدام المنافسة على هذه الأعمال، وتراجع عدد أيام العمل المتاحة، وانخفاض العائد الذي يمكن أن يجنيه العامل خلال الشهر.
- هجرة إلى البناء
وتعدّ البطالة والأجور المتدنية في اليمن ضمن تداعيات أزمة اقتصادية ممتدة خلّفتها الحرب المستمرة منذ أكثر من عشر سنوات، وتسببت في شلل واسع للأنشطة الاقتصادية، وإغلاق آلاف المنشآت، وتراجع الاستثمارات، وانقطاع رواتب مئات الآلاف من الموظفين، فضلاً عن تدمير البنية التحتية، وتعطيل قطاعات إنتاجية كانت تستوعب أعدادًا كبيرة من العمال.

ويرى الباحث الاقتصادي محمد المقطري، أن الأزمة والحرب تسببتا في ضرب قطاع البناء والإنشاءات، وهو أكبر قطاع ينتمي إليه العمال بالأجر اليومي، ما أدى إلى الإضرار بأكبر شريحة من العمال اليمنيين، وفق تقديره.
ونوه في حديثه لـ«الشرق الأوسط» بأن هذا القطاع استقبل مئات الآلاف من المنظمين إليه نتيجة تردي الأوضاع المعيشية وانقطاع الرواتب وتسريح آلاف العمال من المنشآت التي توقفت بسبب الأزمة، أو خفضت أعداد المنتسبين إليها، وهو ما ضاعف من أسباب خفض أجور العاملين فيه.
ولم تعد أزمة العمل في اليمن تقتصر على ارتفاع معدلات البطالة، بل أصبحت تمس جودة العمل نفسه، إذ لم يعد العمل يضمن دخلاً كافياً، ولا يوفر بيئة آمنة، ولا يحمي العامل من الوقوع في دائرة الفقر.
ولم تنعكس الهدنة التي رعتها الأمم المتحدة بصورة ملموسة على مصادر دخل غالبية الأسر اليمنية، إذ ظل الاقتصاد يعاني من الانكماش، واستمرت الاستثمارات في التراجع، وبقيت فرص العمل محدودة في مختلف القطاعات.
وبحسب إحصائيات من بعض مواقع دولية فإن معدل البطالة في اليمن ارتفع إلى 17.30 في المئة في 2025 من 17 في المئة في 2024. حينما معدل البطالة في اليمن بلغ متوسطه 13.35 في المئة من 1991 حتى 2025، حيث وصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق وهو 18.60 في المئة في 2017 وأدنى مستوى قياسي وهو 8.30 في المئة في 1993.
و انكمش الناتج المحلي الإجمالي في اليمن بنسبة 0.5 % في عام 2025، بعد انكماش بنسبة 1.5 % في العام السابق، وفقًا لصندوق النقد الدولي. معدل النمو السنوي للناتج المحلي الإجمالي في اليمن بلغ متوسطه 1.36 في المئة من 1990 حتى 2025، حيث وصل إلى أعلى مستوى له على الإطلاق وهو 20.50 في المئة في 1996 وأدنى مستوى قياسي وهو -30.50 في المئة في 2015.
"الشرق الأوسط"

















