في صباحٍ إماراتي يفيض بالنظام والسكينة، مررتُ أمام مبنى مؤسسة الاتحاد للماء والكهرباء، فاستوقفني شعارها البديع الذي يعلو الواجهة بثقة وهدوء. لم يكن مجرد شعار كما نراه في كثير من المؤسسات، بل لوحة فنية تنبض بالحيوية، تحمل بين خطوطها وألوانها قصة وطنية تُروى بلغة التصميم والإتقان.

تأملتُ الحروف جيدًا. كلمة "Etihad" (الاتحاد) لم تكن مجرد اسم، بل رمز لقوة التلاحم. شعرتُ أن كل انحناءة فيها تتحدث عن فكرة أن التعاون، حين يُدار بعقل منظم، يتحول إلى طاقة تروي البيوت وتنير الطرق.

ثم انتقلت عيناي إلى الجزء الأكثر جاذبية: كلمة "WE" بدت للوهلة الأولى بسيطة، لكنها اختزلت عمقًا إنسانيًا ومعنويًا هائلًا. إنها تعني "نحن"، رسالة شراكة حقيقية: نحن الاتحاد، نحن نخدم، نحن نبني المستقبل معًا. كان الحرف W يبرز بلونه الأزرق المتموج، كأنه ماء صافٍ ينساب بهدوء، بينما جاء الحرف E برتقالياً متقدًا، كشرارة كهربائية ترمز إلى النور والطاقة. التقاء فريد يجسد معادلة نادرة بين صفاء الطبيعة وقوة التقنية، ويجعل من الشعار نبضًا حياً.

وليس الجمال في الشعار شكليًا فحسب، بل هو انعكاس لواقعٍ حقيقي. فعلى مدى أكثر من ثلاث وعشرين سنة قضيتها في الإمارات، لم أشهد انقطاعًا في الخدمات، بل وجدت استقرارًا وجودةً عاليةً وكفاءةً تُشعرك أن اللونين الأزرق والبرتقالي لا يوجدان في التصميم فقط، بل يعيشان في كل بيتٍ ومكتبٍ وشارع وحارة، فتشعر أن الماء يجري بثقة، والكهرباء تضيء باستمرار، في منظومة تعمل بانسجامٍ ودقةٍ تجعل من الشعار حقيقة تُرى لا مجرد فكرة تُرسم.

بينما كنت أتأمل هذا المشهد المشرق، تسللت إلى ذهني صورة أخرى، بعيدة في المكان وقريبة في القلب... مدينة عدن. تلك المدينة التي كانت يومًا من أوائل المدن العربية التي عرفت الكهرباء، وكانت رمزًا للتطور والضوء والحياة المدنية، فإذا بها اليوم تعيش على وقع الانقطاعات المتكررة والطويلة في خدمات الكهرباء والماء، مما أدى إلى شحّ المياه وظلام حالك أرهق الناس وأخفى ملامح الفرح.

هناك، في عدن، تبدل معنى “WE” إلى “WAIT”: انتظر الكهرباء، انتظر الماء، انتظر الفرج. كم هو مؤلم أن ترى مدينتك، التي كانت منارة تُضاء كل مساء، وقد غمرها العجز وأطفأت الفوضى نورها.

الفرق بين الحالتين واضح وجليّ؛ فالفكر الإماراتي يؤمن بأن الاستدامة تبدأ من الانضباط، وأن النور الحقيقي هو نور المسؤولية قبل الكهرباء، وحين يكون النظام نهجًا والكفاءة سلوكًا، لا يخشى الوطن انقطاع الضوء ولا جفاف الماء.

أما في عدن، فقد أثقل غياب الدولة كاهل الجميع، وتوارثت الأجيال إرثًا من الفساد والفوضى، فأُطفئت المصابيح وجفّت صنابير المياه، وغابت معهما راحة الناس. ختامًا، عدن بحاجة إلى شعار مماثل (ADEN WE)، فهل سيستجيب أبناؤها لإعادة نورها وبهائها؟