> "الأيام" العرب اللندنية:

​يشهد الشرق الأوسط مرحلة من أكثر مراحله حساسية منذ سنوات، حيث تترنح المنطقة بين تهدئة مؤقتة ومؤشرات تصعيد جديدة قد تعيد إشعال بؤر الصراع في أي لحظة.

وأعاد وقف إطلاق النار الذي أُعلن بين إسرائيل وحركة حماس في غزة في أكتوبر 2025 أعاد بعض الهدوء إلى المشهد الفلسطيني، لكنه في الوقت ذاته كشف هشاشة هذا الاستقرار المؤقت واتساع رقعة التوترات الإقليمية التي لم تعد مقتصرة على حدود غزة.

وتعد الجبهة الجنوبية الممتدة إلى البحر الأحمر واليمن اليوم جزءاً من شبكة نزاعات متشابكة، تتقاطع فيها الحسابات العسكرية مع الرسائل السياسية، ويبرز في قلبها الاحتمال المتزايد لاستئناف الصراع بين إسرائيل وجماعة الحوثي في اليمن.

ومنذ أن أطلقت جماعة الحوثي سلسلة هجماتها على السفن التجارية والإسرائيلية في البحر الأحمر عقب هجوم حماس على إسرائيل في أكتوبر 2023، تكرّست معادلة جديدة في الأمن الإقليمي. فقد فتحت تلك الهجمات جبهة بحرية غير تقليدية أربكت حركة التجارة العالمية، وجعلت البحر الأحمر ساحة مواجهة بين إسرائيل من جهة، والجماعات المسلحة المتحالفة مع إيران من جهة أخرى.

وحولت هذه التطورات البحر الأحمر إلى مسرح استراتيجي مكمل لجبهة غزة، وأبرزت أن وقف إطلاق النار في فلسطين لا يعني بالضرورة استقراراً إقليمياً، بل قد يكون مجرد استراحة مؤقتة قبل جولة جديدة من الصدامات غير المباشرة. وخلال العامين الماضيين، ردّت إسرائيل بسلسلة من الضربات الجوية المكثفة على مواقع الحوثيين في مناطق مثل الحديدة وصنعاء، استهدفت موانئ ومراكز قيادة ومستودعات أسلحة يُعتقد أنها تُستخدم لاستقبال الإمدادات الإيرانية.

وأظهرت صور الأقمار الصناعية التي نشرتها شركات مراقبة دولية حجم الدمار الكبير في البنى التحتية اليمنية، بما في ذلك تدمير أجزاء من ميناء الحديدة ومطار صنعاء الدولي. ولم تكن هذه العمليات مجرد ردود فعل على هجمات الحوثيين، بل جزءاً من استراتيجية إسرائيلية أوسع تهدف إلى ضرب أذرع إيران الإقليمية وإضعاف ما تسميه تل أبيب “محور المقاومة” الذي يمتد من طهران إلى بيروت مروراً بغزة وصنعاء.

ورغم أن هدنة غزة في أكتوبر 2025 أوقفت مؤقتاً العمليات الهجومية الإسرائيلية في اليمن، فإن معظم التحليلات الأمنية ترجّح أن هذا التوقف لن يدوم طويلاً. فإسرائيل تعتبر الحوثيين مكوّناً محورياً في منظومة النفوذ الإيراني، وتخشى من أن تحولهم التطورات الحالية إلى تهديد إستراتيجي مشابه لما مثله حزب الله في الشمال.

ولذلك فإن السياسة الإسرائيلية تتجه نحو استراتيجية “الاحتواء عبر الضغط المستمر”، أي تنفيذ ضربات متقطعة ومحددة الهدف لإبقاء الحوثيين في حالة إنهاك دائم ومنعهم من ترسيخ قدراتهم الصاروخية والبحرية.

وتدرك إسرائيل أن القضاء الكامل على الحوثيين عبر الضربات الجوية وحدها أمر مستبعد، نظراً للطبيعة الجغرافية الوعرة لليمن ولقدرة الجماعة على تفكيك مراكزها والانتشار في مناطق جبلية معزولة. لكن تل أبيب تراهن على الاستنزاف طويل المدى، بحيث يصبح الحوثيون منشغلين بالدفاع عن مواقعهم بدل التفكير في شن هجمات جديدة ضد الملاحة الدولية أو العمق الإسرائيلي.

وترتبط هذه المقاربة العسكرية أيضاً بهدف سياسي يتمثل في توجيه رسالة مزدوجة: الأولى إلى إيران بأن إسرائيل قادرة على ضرب وكلائها في أي مكان، والثانية إلى الولايات المتحدة وشركائها في المنطقة بأنها الطرف الأكثر حزماً في مواجهة التمدد الإيراني.

وفي المقابل، تتبنى جماعة الحوثي نهجاً أكثر حذراً بعد وقف إطلاق النار في غزة. فقيادتها السياسية والعسكرية تُدرك أن استمرار التصعيد سيجلب عليها مزيداً من الخسائر في ظل محدودية الموارد والضغوط الاقتصادية المتزايدة. كما أن الهجمات السابقة التي شنّتها ضد السفن الإسرائيلية والدولية حققت لها بالفعل أهدافاً رمزية وإعلامية، إذ نجحت في إظهار نفسها كجزء فاعل من “محور المقاومة” وكقوة قادرة على تهديد إسرائيل من مسافة تتجاوز ألفي كيلومتر.

ولذلك، فإن الحوثيين يفضلون حالياً التهدئة التكتيكية التي تتيح لهم الحفاظ على موقعهم دون الدخول في مواجهة مباشرة جديدة مع إسرائيل. إلا أن هذا الهدوء النسبي لا يخفي حقيقة أن أسباب الصراع ما زالت قائمة. وترى إسرائيل في اليمن ساحة خلفية لتمدد إيران في البحر الأحمر، بينما ينظر الحوثيون إلى البحر الأحمر بوصفه مجالاً استراتيجياً لإثبات حضورهم العسكري والسياسي.

وتجعل هذه الحسابات المتناقضة من الصعب تصور سلام مستدام في الأفق القريب، بل ربما تؤسس لجولة جديدة من التصعيد إذا قررت إسرائيل تنفيذ عمليات استباقية أو إذا استأنف الحوثيون هجماتهم ضد السفن في الممرات المائية الدولية. وعلى المستوى الجيوسياسي، فإن الصراع الإسرائيلي–الحوثي يمثل امتداداً لصراع أوسع على إعادة تشكيل ميزان القوى في الشرق الأوسط.

وأعادت هدنة غزة ترتيب أولويات الأطراف المختلفة، لكنها لم تُنهِ حالة العداء المستحكمة بين إسرائيل ووكلاء إيران. وفي حين تسعى واشنطن إلى تثبيت التهدئة في الجبهات كافة لتجنّب توسّع الحرب، تجد إسرائيل نفسها مدفوعة إلى استكمال حملتها ضد ما تعتبره تهديدات استراتيجية بعيدة المدى.

ومع أن الولايات المتحدة وبريطانيا نفذتا في فترات سابقة ضربات مشتركة ضد الحوثيين، فإن تل أبيب تميل إلى التحرك بشكل مستقل لضمان سرعة الردع وإبقاء زمام المبادرة بيدها.

ويشير التحليل الأمني أيضاً إلى أن استمرار حالة اللاحرب واللاسلم في البحر الأحمر يهدد الأمن البحري العالمي، إذ تمر عبر هذا الممر أكثر من 10في المئة من التجارة الدولية. فعودة الهجمات الحوثية على السفن التجارية قد ترفع تكاليف التأمين والشحن وتؤثر سلباً على سلاسل الإمداد العالمية، وهو ما يدفع القوى الغربية إلى دعم أي تحرك يهدف إلى منع الحوثيين من السيطرة على الممرات البحرية.

وبالنسبة لإسرائيل، فإن الحفاظ على حرية الملاحة في البحر الأحمر يُعدّ جزءاً من أمنها القومي، لأنه يربط ميناء إيلات بخطوط التجارة الحيوية نحو آسيا. ومن جهة أخرى، يرى مراقبون أن توازن الردع في الشرق الأوسط أصبح هشاً بشكل غير مسبوق. فكل جبهة تهدأ مؤقتاً، لتشتعل أخرى بعدها، في دورة متكررة من الصراع تجعل من الاستقرار الإقليمي حالة استثنائية لا قاعدة.

وبعد أن خفّ التوتر في غزة، انتقل مركز الاهتمام إلى البحر الأحمر واليمن، وربما غداً إلى الجولان أو شمال العراق، وفق ما تفرضه ديناميات التفاعل بين القوى الإقليمية. وتعكس هذه الهشاشة غياب تسوية شاملة لأي من الصراعات القائمة، ما يجعل المنطقة رهينة لتبدلات مفاجئة في الميدان أو في مواقف الأطراف المتصارعة.

وعلى المدى المتوسط، يتوقع الخبراء أن تسعى إسرائيل إلى تثبيت استراتيجية “الضغط الوقائي” ضد الحوثيين، عبر تنفيذ ضربات محددة لا ترقى إلى مستوى الحرب المفتوحة. وفي المقابل، سيتبع الحوثيون سياسة “التحفّظ الهجومي” التي توازن بين التهدئة الإعلامية والاستعداد الميداني. وأما المجتمع الدولي فسيحاول الحفاظ على وقف النار في غزة باعتباره المدخل الوحيد لتجنب تفجر الصراعات المتشابكة.

ومع ذلك، فإن غياب أفق سياسي واضح، واستمرار استهداف المصالح المتبادلة، يعني أن احتمالات العودة إلى التصعيد تبقى عالية في أي وقت. وبينما يسعى البعض إلى تثبيت التهدئة، تعمل أطراف أخرى على اختبار حدودها، في معادلة دقيقة تُظهر أن السلام في الشرق الأوسط ما يزال مؤجلاً، وأن التهدئة الراهنة لا تتجاوز كونها فصلاً مؤقتاً في حرب طويلة الأمد.