> عدن/ صنعاء "الأيام" خاص:

الأزمة الإنسانية في اليمن بلغت مرحلة غير مسبوقة من التعقيد، مع تزايد مؤشرات الجوع، وتدهور الوضع الصحي، وتراجع قدرة المؤسسات الإنسانية على الوصول إلى المحتاجين، لا سيما في مناطق سيطرة الحوثيين. فبينما تكشف بيانات أممية حديثة أن ثلثي السكان باتوا عاجزين عن توفير احتياجاتهم الغذائية، تؤكد تقارير أخرى أن نحو 9.6 مليون امرأة وفتاة يواجهن الجوع الشديد في بلد أنهكه الصراع والانهيار الاقتصادي وتداعيات المناخ.
  • جوع وتراجع في المساعدات
تُظهر تقارير برنامج الأغذية العالمي أن نحو 61 في المائة من الأسر اليمنية غير قادرة على تلبية الحد الأدنى من احتياجاتها الغذائية، في حين لجأ نصف الأسر إلى تقليص استهلاك البالغين لإعطاء الأولوية للأطفال. وقد تزامن ذلك مع إغلاق الحوثيين لمكاتب الأمم المتحدة في مناطق سيطرتهم قبل نحو شهرين، ما أدى إلى تعليق توزيع المساعدات الإغاثية في شمال البلاد منذ 31 أغسطس الماضي.

ووفق البيانات الأممية، ما تزال جميع المحافظات اليمنية تتجاوز عتبة "سوء استهلاك الغذاء المرتفع جدًا"، إذ بلغت النسبة في بعض المحافظات، مثل البيضاء ولحج وريمة والضالع والجوف، بين 43 و48 في المائة، وهي مناطق تقع بمعظمها تحت سيطرة الحوثيين.


النازحون بدورهم يشكلون الفئة الأكثر هشاشة؛ إذ أفاد 42 في المائة منهم بمعاناتهم من الجوع بدرجات متفاوتة، فيما اضطر 8 في المائة من إجمالي النازحين إلى التسوّل، وترتفع النسبة إلى 13 في المائة بين القاطنين في المخيمات. كما أظهرت بيانات الرصد انخفاضًا كبيرًا في تنوع غذاء الأطفال بين عمر 6 و36 شهرًا، وانتشار فقر غذائي حاد بينهم، في ظل تفشي أمراض مرتبطة بسوء التغذية مثل الإسهال الذي يصيب أكثر من ثلث الأطفال دون الخامسة.
  • تفاوت اقتصادي وتحديات إنسانية
ورغم الصورة القاتمة، تظهر بيانات أخرى جانبًا من التحسن النسبي في المناطق الخاضعة للحكومة الشرعية، حيث ارتفعت واردات الغذاء عبر المواني الحكومية بنسبة 52 في المائة خلال العام، ما أسهم في استقرار نسبي للأسعار. كما انخفضت تكلفة سلة الغذاء بنسبة 6 في المائة شهريًا و16 في المائة سنويًا، نتيجة لإصلاحات البنك المركزي وتراجع أسعار الوقود، وتعزيز مراقبة الأسواق.

لكن هذا التحسن لا يخفي هشاشة الاقتصاد، إذ حذّر صندوق النقد الدولي من انخفاض احتياطات الدولار إلى مستويات حرجة، وتجاوز الدين العام نسبة 100 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. كما أشار "مؤشر السلام العالمي" إلى أن اليمن لا يزال خامس أقل دولة سلمية في العالم، فيما أدت الهجمات على مواني البحر الأحمر الخاضعة للحوثيين إلى تراجع واردات الغذاء بنسبة 23 في المائة والوقود بنسبة 26 في المائة خلال الأشهر التسعة الماضية.
  • نساء على حافة الجوع والموت
من جهة أخرى، يؤكد صندوق الأمم المتحدة للسكان أن النساء والفتيات في اليمن يتحملن العبء الأكبر للأزمة، إذ تواجه 9.6 مليون منهن الجوع الشديد، في وقت يعاني فيه أكثر من 70 في المائة من السكان من انعدام الأمن الغذائي. كما تعاني 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة من سوء تغذية حاد، وسط انهيار واسع للنظام الصحي وخروج العديد من المرافق الطبية عن الخدمة.


الأوضاع المناخية زادت الطين بلّة؛ فالأمطار والسيول الغزيرة التي ضربت 20 محافظة تسببت في نزوح مزيد من الأسر وتدمير المستشفيات والمدارس وأنظمة المياه، ما فاقم ضعف الخدمات الأساسية وزاد من احتمالات انتشار الأوبئة.

ورغم القيود المفروضة على حركة العاملين والتمويل المحدود، يواصل الصندوق تقديم خدماته لـ1.5 مليون شخص في مجالات الصحة الإنجابية والدعم النفسي والاجتماعي، عبر 72 مرفقًا صحيًا و34 مساحة آمنة و8 ملاجئ. وأسهم ذلك في إجراء أكثر من 19 ألف ولادة آمنة و6500 عملية قيصرية طارئة، إضافة إلى تقديم استشارات ومساعدة قانونية لعشرات الآلاف من الناجيات من العنف القائم على النوع الاجتماعي.
  • أزمات نفسية وصدمات إنسانية
الاضطرابات النفسية باتت أحد الوجوه الصامتة للأزمة. فبحسب تقارير الأمم المتحدة، تواجه آلاف النساء اليمنيات حالات اكتئاب واضطراب ما بعد الصدمة نتيجة فقدان الأزواج والأبناء، وتكرار النزوح، وتراجع سبل العيش. كثيرات منهن أصبحن المعيلات الوحيدات لأسرهن، وسط بيئة من العزلة والفقر المدقع. ويقول خبراء إن استمرار الحرب وتدهور الخدمات الاجتماعية يُضاعف من المخاطر النفسية ويهدد استقرار المجتمعات المحلية.
  • تفشي الأوبئة وعرقلة التطعيم
وفي موازاة الأزمة الغذائية، يتصاعد خطر الأوبئة في اليمن، إذ سجّلت منظمة الصحة العالمية أكثر من 81 ألف حالة اشتباه بالكوليرا والإسهال المائي الحاد منذ مطلع العام، بينها 225 وفاة، لتصبح البلاد ثاني أعلى دولة في العالم في معدل وفيات الكوليرا بعد جنوب السودان.

وتشير تقارير المنظمة إلى أن اليمن يحتل المرتبة الثانية عالميًا من حيث عدد الإصابات الجديدة بعد أفغانستان، مع تسجيل نحو تسعة آلاف حالة في سبتمبر وحده. وفي الوقت ذاته، تواصل ميليشيا الحوثي منع حملات التطعيم في مناطق سيطرتها، ما أدى إلى انتشار الأمراض الوبائية وصعوبة احتوائها، وفق مصادر إنسانية محلية.
  • بلد على حافة المجاعة
تجمع التقارير الأممية على أن اليمن يقترب مجددًا من حافة المجاعة، في ظل تراجع التمويل الإنساني واستمرار القيود المفروضة على عمل الوكالات الإغاثية. ويُحذر خبراء من أن استمرار إغلاق المكاتب الأممية في الشمال سيزيد من اتساع رقعة الجوع، خاصة مع ضعف البنية الاقتصادية وتآكل الاحتياطيات النقدية.

ورغم تحسّن محدود في بعض المؤشرات الاقتصادية بالمناطق الحكومية، فإن الفجوة الإنسانية لا تزال تتسع، مدفوعةً بانعدام الأمن والاستقرار، وتدهور الخدمات، وغياب الحل السياسي الشامل الذي يمكن أن يفتح الباب أمام التعافي.

في المحصلة يظهر اليمن اليوم كبلد يقاوم الانهيار الإنساني بشقّ الأنفس؛ ملايين الجياع، نظام صحي شبه منهار، وأجيال من الأطفال والنساء يعيشون على حافة الفقدان والأمل، في انتظار بادرة سلام توقف النزيف وتعيد للبلاد حقها في الحياة.