ليس هناك نقطة نهاية في رحلة الإنسان نحو الكمال. نحن لسنا نسخًا جاهزة، ولا نتائج نهائية لا يمكن تعديلها. بل نحن مشاريع مستمرة، تتغير وتتطور وتتأثر، ويظل داخل كل واحد منا مساحة قابلة للبناء والإصلاح، ما دمنا أحياء.

كثيرًا ما نحكم على أنفسنا أو على الآخرين وكأننا ثابتون لا نتغير. نلصق الصفات كأنها حقائق نهائية: هذا فاشل، وتلك عنيدة، وهذا مستهتر، وتلك غير جديرة بالثقة. لكن الحقيقة أن الإنسان يتغير — للأفضل أو للأسوأ — بحسب ما يُغذّى في داخله من قيم، وبحسب ما يعيشه من تجارب.

الطفل الذي كان أنانيًا قد يصبح كريمًا حين يرى من يحتفل بالعطاء. والمراهق الذي تكرّر فشله، قد يجد طريقه إن لقي من يرشده دون أن يسخر منه. وحتى البالغ الذي ارتكب أخطاء، ليس حكمًا نهائيًا على شخصيته، بل لحظة في مسار طويل يمكن أن يتغيّر.

الجميل في الإنسان أنه كائن يتعلّم. لا يتعلم فقط من الكتب، بل من الألم، من الخطأ، من خيبات الأمل. وحين يجد من يرافقه بلطف في رحلته، لا من يُطلق عليه الأحكام، فإنه يكتشف في نفسه ما لم يكن يعرفه.

لكن المشكلة أن بعض المجتمعات تتعامل مع الإنسان كمنتج جاهز: إن فشل مرة، يُنبذ. إن أخطأ، يُلغى. إن أظهر ضعفًا، يُستهزأ به. وهكذا نخسر قدرات هائلة فقط لأننا لم نمنحها فرصة أخرى، ولم نؤمن أن التربية لا تتوقف عند سن معينة، بل تستمر حتى آخر العمر.

في اليمن، حيث يمر الناس بتجارب قاسية وتحديات متراكمة، تظهر يوميًا نماذج لأفراد استطاعوا تغيير مسارات حياتهم رغم كل شيء. هذا يثبت أن الإنسان قابل للنهوض دائمًا، إذا وجد البيئة التي تسمح له بإعادة اكتشاف نفسه، دون أن تحكم عليه بالماضي فقط.

ما نحتاجه هو ثقافة ترى في الإنسان فرصة دائمة، لا حكمًا نهائيًا. ثقافة لا تحتقر الخطأ، بل تتعامل معه كأداة للتعلم. وحين تتبنى المجتمعات هذه الرؤية، فإنها تتحول إلى حضن تربوي واسع، لا إلى محكمة دائمة.

نعم، الإنسان مشروع لم يكتمل بعد. والسؤال الأهم ليس: "من هو؟" بل: "من يستطيع أن يصبح؟" .