> واشنطن "الأيام" العرب:
بعد انتهاء حرب غزة وما خلّفته من أضرار إنسانية وجيوسياسية عميقة، بدأت ملامح شرق أوسط جديد تتشكل على نحو غير مسبوق. وإذا كانت إسرائيل قد اعتقدت أن تفوقها العسكري سيمنحها موقع القيادة في هذا النظام الإقليمي، فإن ما حدث في الواقع هو العكس تماماً؛ إذ برزت دول الخليج العربي، وفي مقدمتها السعودية وقطر والإمارات، كقوة محورية تمسك بخيوط إعادة التوازن الإقليمي، بينما فقدت تل أبيب تدريجياً زمام المبادرة، وتحوّل نفوذها العسكري إلى عبء سياسي وأخلاقي يصعب تبريره أمام الرأي العام الإقليمي والدولي.
وفي التاسع من أكتوبر، عند الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، كان المشهد الرمزي لمعانقة المفاوض الإسرائيلي ألون نيتسان لرئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مؤشراً على تحوّل عميق في ديناميات القوة في المنطقة. فقط قبل شهر واحد من تلك اللحظة، كانت الطائرات الإسرائيلية قد قصفت حيّاً سكنياً في الدوحة، في خطوة اعتبرتها قطر "إرهاب دولة"، ودفعت محللين إلى التساؤل عما إذا كانت دول الخليج ستعيد النظر في اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية.
غير أن تلك الحادثة، التي بدت حينها نقطة تصعيد خطيرة، تحولت في نهاية المطاف إلى نقطة انعطاف تاريخية جعلت واشنطن تدرك هشاشة مكانتها كضامن للأمن الإقليمي، وتمنح قطر، ثم دول الخليج الأخرى، التزامات دفاعية لم يسبق أن حصلت عليها من قبل. وتسببت الضربة الإسرائيلية لقطر في سلسلة من التفاعلات غير المتوقعة. ومع أن الإدارة الأميركية السابقة التزمت الصمت أولاً، فإنها سرعان ما وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف أولوياتها.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاحقاً أن أي هجوم على قطر سيُعتبر تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، وهو تصريح أعاد رسم معادلة الردع في الخليج، واعتبر بمثابة ضمانة شبه رسمية لأمن المنطقة. ويرى روب غايست بينفولد الباحث في مركز أبحاث السلام في براغ، في تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي أنه بهذا المعنى، لم يعد الخليج تابعاً لمعادلات واشنطن أو رهينة لتقلبات الموقف الإسرائيلي، بل أصبح شريكاً فاعلاً يمتلك القدرة على فرض شروطه.
وجاء هذا التحول تتويجاً لمسار بدأ قبل الحرب بسنوات، حين أدركت العواصم الخليجية أن التنمية والاستقرار الداخليين لا يمكن أن يتحققا في بيئة إقليمية مضطربة.
ولذلك، شرعت كل من السعودية والإمارات وقطر في بناء استراتيجيات تنموية طويلة الأمد، أبرزها رؤية 2030 السعودية، التي تضع الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً للتحول الاقتصادي. وفرضت هذه الرؤية مقاربة جديدة للسياسة الخارجية الخليجية، تقوم على تجنّب الصدام المباشر والسعي إلى تهدئة النزاعات الإقليمية عبر النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي بدلاً من المواجهة العسكرية.
وعلى الجانب الآخر، كانت إسرائيل تحاول فرض نموذج مغاير يقوم على الحسم العسكري وتفكيك خصومها دون امتلاك خطة لما بعد الحرب. وبينما أضعفت تل أبيب إيران ووكلاءها في المنطقة، فإنها فشلت في تحويل ذلك إلى مكسب سياسي مستدام. وسرعان ما تحولت قوتها العسكرية إلى عامل اضطراب دائم، غذّى التوترات بدل أن يبددها.
وبعد هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023، انزلقت إسرائيل إلى سياسات عدوانية فقدت من خلالها القدرة على التواصل مع شركائها السابقين في المنطقة، خصوصاً دول الخليج التي رأت في سلوك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تكراراً لما كانت تلوم إيران عليه من مغامرات توسعية وتدخلات مدمّرة.
وتعاملت دول مجلس التعاون الخليجي ببراغماتية مع حرب غزة. فمن جهة، رأت في إضعاف إيران وحلفائها مكسباً استراتيجياً، لكنها في الوقت نفسه رفضت استمرار دوامة العنف التي تهدد خططها التنموية.
ولذلك، انخرطت العواصم الخليجية في جهود مكثفة لوقف إطلاق النار، مستثمرة علاقاتها المتشابكة مع واشنطن وتل أبيب والقيادة الفلسطينية على حد سواء. وعندما نجحت قطر في التوسط بين إسرائيل وحماس، لم يكن ذلك مجرد انتصار دبلوماسي، بل إشارة واضحة إلى أن مركز الثقل الإقليمي ينتقل من القوة العسكرية الإسرائيلية إلى الدبلوماسية الخليجية الهادئة.
ولم يمرهذا التبدل في موازين التأثير من دون تداعيات. فقد كشفت أزمة الدوحة عن محدودية الدور الأميركي القديم في ضمان الأمن الخليجي، وأجبرت واشنطن على اعتماد سياسة جديدة تمنح دول الخليج التزامات دفاعية أكثر وضوحاً. ومع حصول قطر على ضمانة أميركية تعتبر أي اعتداء عليها تهديداً لأمن الولايات المتحدة نفسها، شعرت السعودية والإمارات بضرورة الحصول على التزامات مماثلة.
وهكذا تحولت حادثة استهدفت إحدى العواصم الخليجية إلى لحظة ترسيخ لشراكة استراتيجية جديدة بين واشنطن ومجلس التعاون الخليجي، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة أكثر من التبعية.
وفي الوقت نفسه، فقدت إسرائيل كثيراً من رصيدها السياسي. فحلم نتنياهو بـ"شرق أوسط جديد" تهيمن عليه تل أبيب تحوّل إلى وهم بعد أن أظهرت الحرب أن القوة العسكرية لا تصنع نظاماً مستقراً. بل إن ممارسات إسرائيل العدوانية تجاه غزة ولبنان وسوريا عمّقت عزلتها، وجعلت دول الخليج تنظر إليها بوصفها تهديداً محتملاً للاستقرار، لا شريكاً يمكن الوثوق به.
و بينما استخدمت العواصم الخليجية نفوذها المالي والسياسي لإعادة بناء مناطق الدمار، عبر استثمارات بلغت 14 مليار دولار في سوريا ومساعدات بمئات الملايين للبنان، بهدف انتشال هذين البلدين من فلك النفوذ الإيراني.
ولم تكن هذه التحركات مجرد أعمال إنسانية، بل خطوات مدروسة لإعادة هندسة الخريطة الإقليمية وفق مصالح عربية خالصة. وتجاوزت تداعيات الحرب حدود غزة لتعيد تعريف طبيعة التحالفات الإقليمية. فقد فشلت إسرائيل في تحويل إنجازاتها العسكرية إلى رؤية سياسية جامعة، في حين استطاعت دول الخليج أن توظف نفوذها المالي والسياسي لإعادة التوازن.
وفي الوقت الذي كانت تل أبيب تراهن على اتفاقيات أبراهم لتوسيع دائرة التطبيع، أعادت حرب غزة خلط الأوراق، إذ بات من الصعب على العواصم العربية المضي في مسار التطبيع بينما تواصل إسرائيل انتهاكاتها. وبدلاً من أن تقود إسرائيل عملية السلام، أصبحت دول الخليج صاحبة الكلمة الفصل في رسم مساراته، مدفوعة برغبة في استقرار المنطقة وضمان بيئة آمنة لمشاريعها الاقتصادية الكبرى.
ومع انكفاء الدور الإسرائيلي واشتداد الحاجة إلى الاستقرار، تكثّف الدور الخليجي في إعادة إعمار ما دمرته الحرب. فقد قادت قطر والسعودية والإمارات مبادرات لدعم إعادة بناء غزة ولبنان وسوريا، في إطار سياسة تستند إلى فكرة أن التنمية هي الطريق الأنجع لتجفيف منابع التطرف وتقليل النفوذ الإيراني.
وجعلت هذه الرؤية من الاقتصاد أداة للنفوذ السياسي، ومن المساعدات وسيلة لصياغة واقع جديد أكثر استقراراً. لكن هذا المسار لم يخلُ من التحديات، إذ تفتقر دول الخليج إلى الخبرة في إدارة عمليات إعادة الإعمار المعقدة في بيئات هشة، وتدرك أن أي تصعيد عسكري إسرائيلي جديد كفيل بتقويض كل ما تحقق.
ولهذا السبب، باتت دول مجلس التعاون الخليجي تتعامل مع إسرائيل بوصفها عاملاً يجب ضبطه لا التحالف معه. فهي تمتلك القدرات الاقتصادية والاستثمارات الضخمة، لكنها تفتقر إلى أدوات الردع العسكري المباشر، مما يجعل علاقتها بواشنطن أداة توازن حيوية.
ومن هذا المنطلق، كثفت الرياض والدوحة وأبوظبي ضغوطها على إدارة ترامب لفرض قيود على السياسات الإسرائيلية العدوانية، خصوصاً في الضفة الغربية، ولضمان التزام تل أبيب بوقف إطلاق النار. وقد بدا واضحاً أن واشنطن، التي لم تعد راغبة في التورط في حروب طويلة أو بناء دول جديدة، تميل إلى تبني الرؤية الخليجية القائمة على “الاستقرار مقابل التنمية”.
وفي المقابل، وجدت إسرائيل نفسها في موقع الدفاع بعد أن خسرت زمام المبادرة. فسياساتها التوسعية أضعفت حلفاءها وأثارت قلق شركائها الغربيين، بينما تحولت دول الخليج إلى نموذج جديد للقوة الناعمة الفاعلة التي تجمع بين النفوذ المالي والدبلوماسية الهادئة والقدرة على التوسط بين القوى الكبرى.
وقد عززت هذه المكانة الجديدة حضور الخليج في المداولات الأميركية حول مستقبل المنطقة، حيث لم يعد يُنظر إلى هذه الدول كحلفاء تابعين بل كقوى قادرة على إعادة تشكيل المشهد الإقليمي وفق مصالحها الخاصة.
وهكذا يمكن القول إن حرب غزة لم تغيّر فقط خريطة التحالفات، بل أعادت تعريف من يمتلك حق صياغة الشرق الأوسط الجديد. ولم تعد إسرائيل هي الطرف الذي يحدد مسار الأحداث، ولا الولايات المتحدة القوة التي تملي إرادتها كما في السابق. بل أصبحت دول الخليج، بفضل قدرتها على الجمع بين البراغماتية الاقتصادية والواقعية السياسية، المحرك الأبرز في صياغة التوازنات الإقليمية.
ومن خلال الحفاظ على الهدوء، واستثمار النفوذ المالي في إعادة الإعمار، واستخدام العلاقات مع واشنطن لتقييد المغامرات العسكرية الإسرائيلية، ترسخ هذه الدول موقعها كصانعة للتوازن لا كطرف ثانوي في الصراع.
وفي التاسع من أكتوبر، عند الإعلان عن وقف إطلاق النار بين إسرائيل وحماس، كان المشهد الرمزي لمعانقة المفاوض الإسرائيلي ألون نيتسان لرئيس الوزراء القطري محمد بن عبد الرحمن آل ثاني مؤشراً على تحوّل عميق في ديناميات القوة في المنطقة. فقط قبل شهر واحد من تلك اللحظة، كانت الطائرات الإسرائيلية قد قصفت حيّاً سكنياً في الدوحة، في خطوة اعتبرتها قطر "إرهاب دولة"، ودفعت محللين إلى التساؤل عما إذا كانت دول الخليج ستعيد النظر في اعتمادها على المظلة الأمنية الأميركية.
غير أن تلك الحادثة، التي بدت حينها نقطة تصعيد خطيرة، تحولت في نهاية المطاف إلى نقطة انعطاف تاريخية جعلت واشنطن تدرك هشاشة مكانتها كضامن للأمن الإقليمي، وتمنح قطر، ثم دول الخليج الأخرى، التزامات دفاعية لم يسبق أن حصلت عليها من قبل. وتسببت الضربة الإسرائيلية لقطر في سلسلة من التفاعلات غير المتوقعة. ومع أن الإدارة الأميركية السابقة التزمت الصمت أولاً، فإنها سرعان ما وجدت نفسها مضطرة إلى إعادة تعريف أولوياتها.
وأعلن الرئيس الأميركي دونالد ترامب لاحقاً أن أي هجوم على قطر سيُعتبر تهديداً مباشراً للولايات المتحدة، وهو تصريح أعاد رسم معادلة الردع في الخليج، واعتبر بمثابة ضمانة شبه رسمية لأمن المنطقة. ويرى روب غايست بينفولد الباحث في مركز أبحاث السلام في براغ، في تقرير نشرته مجلة فورين بوليسي أنه بهذا المعنى، لم يعد الخليج تابعاً لمعادلات واشنطن أو رهينة لتقلبات الموقف الإسرائيلي، بل أصبح شريكاً فاعلاً يمتلك القدرة على فرض شروطه.
وجاء هذا التحول تتويجاً لمسار بدأ قبل الحرب بسنوات، حين أدركت العواصم الخليجية أن التنمية والاستقرار الداخليين لا يمكن أن يتحققا في بيئة إقليمية مضطربة.
ولذلك، شرعت كل من السعودية والإمارات وقطر في بناء استراتيجيات تنموية طويلة الأمد، أبرزها رؤية 2030 السعودية، التي تضع الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً للتحول الاقتصادي. وفرضت هذه الرؤية مقاربة جديدة للسياسة الخارجية الخليجية، تقوم على تجنّب الصدام المباشر والسعي إلى تهدئة النزاعات الإقليمية عبر النفوذ الاقتصادي والدبلوماسي بدلاً من المواجهة العسكرية.
وعلى الجانب الآخر، كانت إسرائيل تحاول فرض نموذج مغاير يقوم على الحسم العسكري وتفكيك خصومها دون امتلاك خطة لما بعد الحرب. وبينما أضعفت تل أبيب إيران ووكلاءها في المنطقة، فإنها فشلت في تحويل ذلك إلى مكسب سياسي مستدام. وسرعان ما تحولت قوتها العسكرية إلى عامل اضطراب دائم، غذّى التوترات بدل أن يبددها.
وبعد هجوم حماس في السابع من أكتوبر 2023، انزلقت إسرائيل إلى سياسات عدوانية فقدت من خلالها القدرة على التواصل مع شركائها السابقين في المنطقة، خصوصاً دول الخليج التي رأت في سلوك رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تكراراً لما كانت تلوم إيران عليه من مغامرات توسعية وتدخلات مدمّرة.
وتعاملت دول مجلس التعاون الخليجي ببراغماتية مع حرب غزة. فمن جهة، رأت في إضعاف إيران وحلفائها مكسباً استراتيجياً، لكنها في الوقت نفسه رفضت استمرار دوامة العنف التي تهدد خططها التنموية.
ولذلك، انخرطت العواصم الخليجية في جهود مكثفة لوقف إطلاق النار، مستثمرة علاقاتها المتشابكة مع واشنطن وتل أبيب والقيادة الفلسطينية على حد سواء. وعندما نجحت قطر في التوسط بين إسرائيل وحماس، لم يكن ذلك مجرد انتصار دبلوماسي، بل إشارة واضحة إلى أن مركز الثقل الإقليمي ينتقل من القوة العسكرية الإسرائيلية إلى الدبلوماسية الخليجية الهادئة.
ولم يمرهذا التبدل في موازين التأثير من دون تداعيات. فقد كشفت أزمة الدوحة عن محدودية الدور الأميركي القديم في ضمان الأمن الخليجي، وأجبرت واشنطن على اعتماد سياسة جديدة تمنح دول الخليج التزامات دفاعية أكثر وضوحاً. ومع حصول قطر على ضمانة أميركية تعتبر أي اعتداء عليها تهديداً لأمن الولايات المتحدة نفسها، شعرت السعودية والإمارات بضرورة الحصول على التزامات مماثلة.
وهكذا تحولت حادثة استهدفت إحدى العواصم الخليجية إلى لحظة ترسيخ لشراكة استراتيجية جديدة بين واشنطن ومجلس التعاون الخليجي، قائمة على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة أكثر من التبعية.
وفي الوقت نفسه، فقدت إسرائيل كثيراً من رصيدها السياسي. فحلم نتنياهو بـ"شرق أوسط جديد" تهيمن عليه تل أبيب تحوّل إلى وهم بعد أن أظهرت الحرب أن القوة العسكرية لا تصنع نظاماً مستقراً. بل إن ممارسات إسرائيل العدوانية تجاه غزة ولبنان وسوريا عمّقت عزلتها، وجعلت دول الخليج تنظر إليها بوصفها تهديداً محتملاً للاستقرار، لا شريكاً يمكن الوثوق به.
و بينما استخدمت العواصم الخليجية نفوذها المالي والسياسي لإعادة بناء مناطق الدمار، عبر استثمارات بلغت 14 مليار دولار في سوريا ومساعدات بمئات الملايين للبنان، بهدف انتشال هذين البلدين من فلك النفوذ الإيراني.
ولم تكن هذه التحركات مجرد أعمال إنسانية، بل خطوات مدروسة لإعادة هندسة الخريطة الإقليمية وفق مصالح عربية خالصة. وتجاوزت تداعيات الحرب حدود غزة لتعيد تعريف طبيعة التحالفات الإقليمية. فقد فشلت إسرائيل في تحويل إنجازاتها العسكرية إلى رؤية سياسية جامعة، في حين استطاعت دول الخليج أن توظف نفوذها المالي والسياسي لإعادة التوازن.
وفي الوقت الذي كانت تل أبيب تراهن على اتفاقيات أبراهم لتوسيع دائرة التطبيع، أعادت حرب غزة خلط الأوراق، إذ بات من الصعب على العواصم العربية المضي في مسار التطبيع بينما تواصل إسرائيل انتهاكاتها. وبدلاً من أن تقود إسرائيل عملية السلام، أصبحت دول الخليج صاحبة الكلمة الفصل في رسم مساراته، مدفوعة برغبة في استقرار المنطقة وضمان بيئة آمنة لمشاريعها الاقتصادية الكبرى.
ومع انكفاء الدور الإسرائيلي واشتداد الحاجة إلى الاستقرار، تكثّف الدور الخليجي في إعادة إعمار ما دمرته الحرب. فقد قادت قطر والسعودية والإمارات مبادرات لدعم إعادة بناء غزة ولبنان وسوريا، في إطار سياسة تستند إلى فكرة أن التنمية هي الطريق الأنجع لتجفيف منابع التطرف وتقليل النفوذ الإيراني.
وجعلت هذه الرؤية من الاقتصاد أداة للنفوذ السياسي، ومن المساعدات وسيلة لصياغة واقع جديد أكثر استقراراً. لكن هذا المسار لم يخلُ من التحديات، إذ تفتقر دول الخليج إلى الخبرة في إدارة عمليات إعادة الإعمار المعقدة في بيئات هشة، وتدرك أن أي تصعيد عسكري إسرائيلي جديد كفيل بتقويض كل ما تحقق.
ولهذا السبب، باتت دول مجلس التعاون الخليجي تتعامل مع إسرائيل بوصفها عاملاً يجب ضبطه لا التحالف معه. فهي تمتلك القدرات الاقتصادية والاستثمارات الضخمة، لكنها تفتقر إلى أدوات الردع العسكري المباشر، مما يجعل علاقتها بواشنطن أداة توازن حيوية.
ومن هذا المنطلق، كثفت الرياض والدوحة وأبوظبي ضغوطها على إدارة ترامب لفرض قيود على السياسات الإسرائيلية العدوانية، خصوصاً في الضفة الغربية، ولضمان التزام تل أبيب بوقف إطلاق النار. وقد بدا واضحاً أن واشنطن، التي لم تعد راغبة في التورط في حروب طويلة أو بناء دول جديدة، تميل إلى تبني الرؤية الخليجية القائمة على “الاستقرار مقابل التنمية”.
وفي المقابل، وجدت إسرائيل نفسها في موقع الدفاع بعد أن خسرت زمام المبادرة. فسياساتها التوسعية أضعفت حلفاءها وأثارت قلق شركائها الغربيين، بينما تحولت دول الخليج إلى نموذج جديد للقوة الناعمة الفاعلة التي تجمع بين النفوذ المالي والدبلوماسية الهادئة والقدرة على التوسط بين القوى الكبرى.
وقد عززت هذه المكانة الجديدة حضور الخليج في المداولات الأميركية حول مستقبل المنطقة، حيث لم يعد يُنظر إلى هذه الدول كحلفاء تابعين بل كقوى قادرة على إعادة تشكيل المشهد الإقليمي وفق مصالحها الخاصة.
وهكذا يمكن القول إن حرب غزة لم تغيّر فقط خريطة التحالفات، بل أعادت تعريف من يمتلك حق صياغة الشرق الأوسط الجديد. ولم تعد إسرائيل هي الطرف الذي يحدد مسار الأحداث، ولا الولايات المتحدة القوة التي تملي إرادتها كما في السابق. بل أصبحت دول الخليج، بفضل قدرتها على الجمع بين البراغماتية الاقتصادية والواقعية السياسية، المحرك الأبرز في صياغة التوازنات الإقليمية.
ومن خلال الحفاظ على الهدوء، واستثمار النفوذ المالي في إعادة الإعمار، واستخدام العلاقات مع واشنطن لتقييد المغامرات العسكرية الإسرائيلية، ترسخ هذه الدول موقعها كصانعة للتوازن لا كطرف ثانوي في الصراع.



















