نعيش في عالم تتسارع فيه الأحداث، وتتفاقم فيه الأزمات، حتى بات الغضب هو اللغة الأكثر تداولًا في الشارع، وفي البيوت، وعلى وسائل التواصل. لا أحد ينكر أن هناك أسبابًا حقيقية لهذا الغضب: الظلم، القهر، الحاجة، الشعور بالعجز. لكنها لا تبرر أن نفقد أنفسنا في دوامة لا تنتهي من الانفعال.

الغضب في ذاته ليس شرًا، بل هو شعور بشري طبيعي. لكن ما لم يُهذّب، يتحول إلى عدوان. وما لم يُوجّه، يتحول إلى فوضى. نحن لا نختار دائمًا الظروف، لكننا نختار كيف نتعامل معها. وهذا الاختيار لا يُصنع في لحظة الانفعال، بل يُصنع في عمق التربية، في القلب والعقل، في تكرار التهذيب الداخلي اليومي.

من السهل أن نُلقّن أبناءنا كيف يردّون على الخطأ، لكن الأصعب أن نعلمهم كيف يختارون عدم الردّ أحيانًا. أن نعلّمهم كيف يتنفسون قبل أن يتكلموا، كيف يصمتون حين يغلي الكلام في صدورهم. وهذه التربية لا تأتي من المحاضرات، بل من القدوة، من أمّ تهدأ أمام استفزاز طفلها، ومن أب لا يرفع صوته حين تُخالفه زوجته، ومن معلم يُعامل طلابه بالرحمة لا بالعصبية.

في زمن تتصاعد فيه نبرة العنف، نحتاج إلى من يزرع فينا اللين. في زمن امتلأ بالضجيج، نحتاج إلى من يعلّمنا الإصغاء. التربية الوجدانية ليست ترفًا، بل درعٌ يحمي الإنسان من أن يتحوّل إلى كائن يُحرّكه الغضب أكثر مما يُحرّكه الوعي، ينفجر في كل لحظة، ويدمّر كل ما حوله.

اليمن اليوم، كباقي الشعوب التي أنهكتها الأزمات، لا تحتاج فقط إلى إصلاح البنية التحتية، بل إلى ترميم النفوس. إلى من يُربّي قلوب الشباب قبل أن يسلّمهم زمام الأمور. إلى من يزرع فيهم التوازن، حتى لا تبتلعهم موجة الغضب التي لا تبني شيئًا.

التربية الوجدانية لا تصنع ضجيجًا، لكنها تصنع أجيالًا قادرة على التماسك، على الاستماع، على اتخاذ القرار بلا تهوّر. أجيالًا يمكنها أن تُصلح لا أن تُحطّم. أن تُصغي قبل أن تحكم، وأن تحبّ قبل أن ترفض.

في زمن الغضب.. نحتاج إلى من يربّي القلوب. لأن القلوب إن استقامت، استقام كل شيء بعدها.

فالغضب لا يبني وطنًا، أما القلوب الهادئة، فهي وحدها تعرف كيف تزرع الأمل وتنقذ ما تبقّى.