من 25 نوفمبر إلى 10 ديسمبر، يعلو في العالم صوت لا يُمكن تجاهله، صوت الحملة العالمية لمناهضة العنف القائم على النوع الاجتماعي، وهي حملة تتوشح باللون البرتقالي، رمزًا لأمل مشرق في مستقبل خالٍ من العنف، لا سيّما ضد النساء والفتيات. لكن السؤال العميق الذي يجب أن يُطرح في خضم هذا الزخم العالمي: هل يكفي أن نضيء المباني ونطلق الفعاليات، ما لم نضيء القلوب أولًا، ونراجع جذور العنف في تربتنا الأسرية والاجتماعية؟

العنف، مهما تعددت أشكاله، لا يظهر فجأة. إنه نتيجة سرديات قديمة، وثقافات موروثة، وصمتٌ طويل أمام مظاهر الظلم، خاصة داخل البيوت، حيث يفترض أن يسود الحب والاحترام. الأسرة ليست فقط وحدة اجتماعية، بل هي المجال الأول الذي يتعلم فيه الإنسان كيف يرى نفسه والآخرين، كيف يحترم، وكيف يُحترم.

في كثير من المجتمعات، تُبنى السلطة داخل الأسرة على مفهوم السيطرة لا على مفهوم المشاركة. فيُفهم الطاعة على أنها خنوع، ويُفهم الحزم على أنه قسوة، ويُنظر إلى المرأة على أنها أقل، رغم أن تجارب الحياة تثبت أن كرامة الأسرة من كرامة المرأة، وسلام المجتمع يبدأ من سلام العلاقة بين الزوجين، وبين الآباء والأبناء.

حين نتأمل في مضمون حملة "الـ16 يومًا من النشاط"، نجد أنها لا تكتفي برفع الصوت ضد العنف، بل تسعى لخلق وعي جديد، يربط بين إنهاء العنف وحقوق الإنسان، بين العدل في القانون والعدل في البيت. وهنا تكمن مسؤوليتنا كمجتمعات، ألا نكتفي بالتنديد بالعنف في الفضاء العام، بينما نُبرّره أو نُخفِيه في فضاءاتنا الخاصة.

التعايش، كما نفهمه، لا يعني فقط التسامح مع الآخر في الشارع أو في بيئة العمل، بل يبدأ من التعايش داخل البيت: أن يعيش الأخ مع أخته باحترام، وأن يتربى الأبناء على أن الكرامة ليست حكرًا على جنس دون آخر، وأن الحديث عن المشاعر، والإنصات، والاعتذار، ليست علامات ضعف، بل نُضج إنساني.

إننا نحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى خطاب تربوي جديد داخل الأسرة، يُعيد تعريف مفاهيم الرجولة والأنوثة، القوة واللين، القيادة والشراكة. فالصبي الذي ينشأ على أن "الرجولة" تعني القسوة، قد يتحول إلى رجل يعيد إنتاج العنف. والفتاة التي تُربّى على أن الصمت فضيلة، قد تصمت عن حقها لسنوات، حتى تموت فيها القدرة على المطالبة والرفض.

الأسرة التي يتقاسم فيها الوالدان المسؤولية والقرار، تُنشئ أطفالًا يعرفون معنى العدل. والبيت الذي يُصغي فيه الكبير للصغير، يُعلّم الاحترام المتبادل. والمائدة التي يجتمع حولها الجميع في محبة، هي نواة لمجتمع لا يعرف الإقصاء ولا الظلم.

لنحوّل هذه الأيام الستة عشر إلى لحظة صدق مع أنفسنا: هل نعيش في بيوت خالية من العنف؟ هل لغتنا اليومية مع من نحب، خالية من التجريح والسخرية والسلطة القمعية؟ هل تُعطى بناتنا نفس الفرص التي تُمنح لأبنائنا؟ هل نستطيع أن ننشئ جيلًا لا يكتفي بشجب العنف، بل يملك من الوعي ما يجعله يستبدله بثقافة الحوار والمشاركة؟

ربما لا نملك تغيير العالم دفعة واحدة، لكننا نملك تغيير نبرة الحديث في بيوتنا، طريقة تعاملنا، سردياتنا الصغيرة التي نزرعها في عقول الأطفال. وكل تغيير حقيقي يبدأ من هناك، من البيت، من طاولة الطعام، من لحظة اعتذار صادق، من أبٍ يحترم أمّ أبناءه أمامهم، من أمّ تُعلّم أبناءها أن الحب لا يعني الطاعة العمياء، وأن الاحترام لا يُفرض بالقوة، بل يُبنى بالقدوة.

في نهاية المطاف، اللون البرتقالي ليس مجرد رمز لحملة، بل يمكن أن يكون رمزًا لبداية جديدة، نضيء فيها بيوتنا بالرحمة، ونغرس فيها قيم التعايش، ليكون الغد أكثر إشراقًا وعدلًا وإنسانية.