هل يستطيع المجلس الانتقالي الجنوبي الانتقال من إدارة الصراع إلى قيادة الاستقرار؟ سؤال يزداد ثقلًا، خصوصًا بعد الانتصارات الساحقة التي حققها وإحكام السيطرة العسكرية على المناطق المتبقية في حضرموت والمهرة. ومع دخول الجنوب مرحلة جديدة، لا تحددها المعارك بقدر ما تحددها القدرة على تأسيس نموذج حكم يضمن الأمن والخدمات والشرعية السياسية. مرحلة ما بعد السيطرة ليست مجرد لحظة انتصار؛ إنها اختبار لا يقل تعقيدًا عن سنوات الصراع نفسها.

التحدي الجوهري يبدأ من الحاجة إلى غطاء سياسي يمنح المجلس صلاحيات كاملة لإدارة الملفات المدنية، خصوصًا في ظل الوضع الاقتصادي المتردي والخدمات المنهارة والمعاناة اليومية للناس. وهذه الضرورة لا تأتي من الداخل فقط، بل تتطلب ترتيبات إقليمية ودولية تعترف بدور المجلس وتمنحه موقعًا وشرعية واضحة، وتحكمًا في الموارد وإدارتها.

وفي موازاة ذلك، تبدو الحاجة ملحّة إلى انفتاح أوسع على العالم، سواء للحصول على دعم اقتصادي مباشر يعالج التحديات العاجلة، أو لإيجاد مظلة سياسية تحمي مرحلة الانتقال من الانتكاسات المحتملة. فالدعم من الرباعية، على وجه الخصوص، يشكل ضمانة لعدم انزلاق الجنوب مجددًا إلى واجهة المشاكل والتحديات السابقة.

وهنا تبرز نقطة حساسة لا يمكن تجاهلها: خصوم الجنوب لن يقفوا متفرجين على أي عملية تثبيت للاستقرار. كما حدث سابقًا في عدن وأبين وشبوة وسقطرى، قد تلجأ بعض القوى إلى صناعة معارك جديدة بواجهات اقتصادية أو إعلامية أو أمنية، أو خلق عراقيل عسكرية عبر تحريك خلايا أو نقاط توتر لإرباك المشهد كردة فعل على الانتصارات الأخيرة. وهذه الأدوات ليست جديدة، بل جزء من تقاليد الصراع اليمني منذ عقود، ما يجعل بناء منظومة استقرار محصّنة أمرًا ضروريًا لا اختياريًّا.

وفي الداخل الجنوبي، يبقى الاختبار الأهم هو القدرة على إدارة التنوع وترسيخ شراكة حقيقية في حضرموت والمهرة. فالمجتمع المحلي في هذه المحافظات يمتلك خصوصيات سياسية واقتصادية واجتماعية تتطلب نمطًا مختلفًا من الإدارة، كما أن الانفتاح والحوار مع جميع القوى الجنوبية الأخرى وتوحيد الصفوف أصبح اليوم مهيأً أكثر من أي وقت مضى، خاصة في ظل الزخم الحالي الناتج عن الانتصارات العسكرية الكبيرة.

وفي قراءة مستقبلية باردة، تبدو أمام المجلس نافذة نادرة لكنها قصيرة الأجل وقابلة للإغلاق سريعًا إذا لم يستطع تحويل السيطرة إلى شرعية، والشرعية إلى استقرار، والاستقرار إلى تنمية. النجاح لن يعتمد على القوة وحدها، بل على القدرة على منع الخصوم من صناعة التعطيل، وبناء شبكة اعتراف ودعم خارجي، وخلق نموذج خدماتي يُقنع الناس بأن المستقبل أفضل مما تركته سنوات الحرب.

وحتى تتحقق هذه المعادلة، يظل السؤال مفتوحًا: هل يستطيع الانتقالي فعلًا الانتقال من إدارة الصراع إلى إدارة الاستقرار؟ أم أن المرحلة القادمة ستعيد إنتاج دورات التوتر بأشكال جديدة؟