> «الأيام» العربي الجديد:
الفساد في اليمن ليس ظاهرة طارئة، بل يمتلك جذورًا تاريخية تمتد لعقود سبقت تشكّل الدولة الحديثة. ففي فترات ما قبل الوحدة، اتسمت مؤسسات الحكم بالهشاشة، وغابت أدوات الرقابة والمساءلة، ما أتاح للنخب المحلية استغلال المناصب والموارد العامة دون رادع.
بدأت هذه الممارسات في صور بسيطة كالرشوة وتبادل الامتيازات القبلية، لكنها سرعان ما تطورت لتشكّل قاعدة لفساد أعمق وأكثر تنظيمًا، ارتبط بتوزيع النفوذ وإدارة المصالح خارج إطار الدولة.
وخلال حكم الرئيس إبراهيم الحمدي (1974–1977)، ظهرت أولى المحاولات الجادة لمكافحة الفساد، عبر إصلاحات إدارية واقتصادية هدفت إلى تقليص نفوذ النخب التقليدية، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة. غير أن هذه المحاولات اصطدمت بضعف المؤسسات، وغياب رقابة فعالة، وتمثيل سياسي محدود لم يفرض مساءلة شعبية حقيقية. ومع اغتيال الحمدي، تحوّل الفساد إلى شبكة مؤسسية مترابطة، قادرة على التكيّف والاستمرار مع كل تحوّل سياسي.
ضعف الهياكل الرقابية: غياب مؤسسات مستقلة تفرض الشفافية والمحاسبة جعل الفساد مجالًا مفتوحًا للاستغلال دون خوف من العقاب.
هشاشة التمثيل السياسي: ابتعاد المواطن عن مراكز القرار منح النخب مساحة واسعة لممارسة النفوذ بلا مساءلة، وعزّز الاستحواذ على السلطة بطرق غير ديمقراطية.
الولاءات القبلية والسياسية: تحولت المناصب العامة إلى أدوات لتوزيع المنافع على شبكات النفوذ، ما عطّل رقابة الدولة على الموارد، وأضعف فكرة المصلحة العامة.
الاقتصاد الهش: اعتماد الدولة على موارد محدودة، وغياب التنويع الاقتصادي، جعلا الوظيفة العامة وسيلة لتكوين الثروات الشخصية بدلاً من أداة لخدمة المجتمع.
وتعكس المؤشرات الدولية حجم هذه الأزمة، ففي مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، حصل اليمن على 13 نقطة فقط من أصل 100، محتلاً المرتبة 173 من بين 180 دولة، وهو مستوى يعكس تفشياً شديداً للفساد في القطاع العام، مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 43 نقطة.
غياب الرقابة حوّل كل قرار إداري أو عملية مالية إلى فرصة محتملة لتحقيق مكاسب شخصية، بينما يدفع المواطن الثمن عبر تدهور الخدمات، وتأخر الرواتب، وانهيار البنية التحتية. وهكذا، لم يعد الفساد قضية سياسية أو اقتصادية مجردة، بل عاملًا مباشرًا يمسّ الحياة اليومية لليمنيين.
- إنشاء هيئات رقابية مستقلة تمتلك صلاحيات فعلية للمحاسبة.
- إرساء نظام صارم للشفافية المالية والقانونية، مع نشر دوري للبيانات.
- تمكين المجتمع المدني وضمان حرية الإعلام لمراقبة أداء السلطة وكشف التجاوزات دون خوف.
من دون هذه الأسس، يظل الفساد منظومة قادرة على التكيّف والاستمرار، ويبقى المواطن خارج معادلة الحكم، ما يجعل أي إصلاح مجرد إجراء شكلي محدود الأثر.
إن تفكيك هذه المنظومة يتطلب إعادة بناء الدولة على أسس الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة. فأي إصلاح مؤقت أو شكلي لن يكون كافيًّا ما لم يترافق مع تغييرات جذرية في منظومة الرقابة، والتمثيل السياسي، ومكانة المواطن في الدولة.
اليمن اليوم أمام مفترق حاسم: إما تفكيك منظومة الفساد واستبدالها بهياكل تخدم المواطن، أو استمرار إعادة إنتاجها، بما يدفع الدولة نحو مزيد من الضعف والتآكل واللامبالاة العامة.
بدأت هذه الممارسات في صور بسيطة كالرشوة وتبادل الامتيازات القبلية، لكنها سرعان ما تطورت لتشكّل قاعدة لفساد أعمق وأكثر تنظيمًا، ارتبط بتوزيع النفوذ وإدارة المصالح خارج إطار الدولة.
وخلال حكم الرئيس إبراهيم الحمدي (1974–1977)، ظهرت أولى المحاولات الجادة لمكافحة الفساد، عبر إصلاحات إدارية واقتصادية هدفت إلى تقليص نفوذ النخب التقليدية، وإعادة الاعتبار لمفهوم الدولة. غير أن هذه المحاولات اصطدمت بضعف المؤسسات، وغياب رقابة فعالة، وتمثيل سياسي محدود لم يفرض مساءلة شعبية حقيقية. ومع اغتيال الحمدي، تحوّل الفساد إلى شبكة مؤسسية مترابطة، قادرة على التكيّف والاستمرار مع كل تحوّل سياسي.
- عوامل تمكين منظومة الفساد
ضعف الهياكل الرقابية: غياب مؤسسات مستقلة تفرض الشفافية والمحاسبة جعل الفساد مجالًا مفتوحًا للاستغلال دون خوف من العقاب.
هشاشة التمثيل السياسي: ابتعاد المواطن عن مراكز القرار منح النخب مساحة واسعة لممارسة النفوذ بلا مساءلة، وعزّز الاستحواذ على السلطة بطرق غير ديمقراطية.
الولاءات القبلية والسياسية: تحولت المناصب العامة إلى أدوات لتوزيع المنافع على شبكات النفوذ، ما عطّل رقابة الدولة على الموارد، وأضعف فكرة المصلحة العامة.
الاقتصاد الهش: اعتماد الدولة على موارد محدودة، وغياب التنويع الاقتصادي، جعلا الوظيفة العامة وسيلة لتكوين الثروات الشخصية بدلاً من أداة لخدمة المجتمع.
وتعكس المؤشرات الدولية حجم هذه الأزمة، ففي مؤشر مدركات الفساد لعام 2024، حصل اليمن على 13 نقطة فقط من أصل 100، محتلاً المرتبة 173 من بين 180 دولة، وهو مستوى يعكس تفشياً شديداً للفساد في القطاع العام، مقارنة بمتوسط عالمي يقارب 43 نقطة.
- الفساد منظومة متكاملة
غياب الرقابة حوّل كل قرار إداري أو عملية مالية إلى فرصة محتملة لتحقيق مكاسب شخصية، بينما يدفع المواطن الثمن عبر تدهور الخدمات، وتأخر الرواتب، وانهيار البنية التحتية. وهكذا، لم يعد الفساد قضية سياسية أو اقتصادية مجردة، بل عاملًا مباشرًا يمسّ الحياة اليومية لليمنيين.
- التمثيل السياسي والسبيل إلى الخلاص
- إنشاء هيئات رقابية مستقلة تمتلك صلاحيات فعلية للمحاسبة.
- إرساء نظام صارم للشفافية المالية والقانونية، مع نشر دوري للبيانات.
- تمكين المجتمع المدني وضمان حرية الإعلام لمراقبة أداء السلطة وكشف التجاوزات دون خوف.
من دون هذه الأسس، يظل الفساد منظومة قادرة على التكيّف والاستمرار، ويبقى المواطن خارج معادلة الحكم، ما يجعل أي إصلاح مجرد إجراء شكلي محدود الأثر.
- مفترق حاسم
إن تفكيك هذه المنظومة يتطلب إعادة بناء الدولة على أسس الشفافية والمساءلة والحوكمة الرشيدة. فأي إصلاح مؤقت أو شكلي لن يكون كافيًّا ما لم يترافق مع تغييرات جذرية في منظومة الرقابة، والتمثيل السياسي، ومكانة المواطن في الدولة.
اليمن اليوم أمام مفترق حاسم: إما تفكيك منظومة الفساد واستبدالها بهياكل تخدم المواطن، أو استمرار إعادة إنتاجها، بما يدفع الدولة نحو مزيد من الضعف والتآكل واللامبالاة العامة.




















