في أي دولة طبيعية، يُعدّ صرف رواتب الموظفين التزامًا سياديًا لا يخضع للمساومة أو المزاج السياسي. فالراتب ليس منحة يقدمها الحاكم، ولا مكرمة يمنّ بها المسؤول، بل حق قانوني مقابل عمل أُنجز، والتزام مالي ينبغي أن يتصدر أولويات الإنفاق العام.
لكن المشهد في اليمن، وفي الجنوب على وجه الخصوص، يبدو مقلوبًا: الرواتب تتأخر أو تتوقف، بينما تستمر الجبايات، وتتحرك الإيرادات، وتعمل الموانئ والمنافذ، وتُحصّل الرسوم والضرائب، وتبقى قطاعات ومؤسسات عامة تمارس أنشطتها. وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كانت للدولة موارد، فلماذا لا تصل الرواتب إلى أصحابها؟ وأين تذهب الأموال العامة؟
قد تكون هذه الموارد قد تراجعت بسبب الحرب وتعطل الصادرات والانقسام المؤسسي، لكنها لم تختفِ تمامًا. ولذلك، فإن تفسير أزمة الرواتب بمجرد القول إن «الموارد غير كافية» لا يقدم إجابة مقنعة ما لم يُرفق بحسابات واضحة: كم تبلغ الموارد المتاحة فعلياً؟ ومن الجهات التي تحصّلها؟ وأين تُودع؟ وكيف تُوزع؟ وما ترتيب الأولويات عند الإنفاق؟
المشكلة الأساسية ليست دائماً في غياب المال، بل في غياب الموازنة الموحدة، وتعدد الجهات التي تحصّل الإيرادات وتنفقها، وعدم خضوع جانب كبير منها للرقابة العامة.
أما عندما تحتفظ كل جهة بما تحصّله، أو تُودع الأموال في حسابات متفرقة، أو تُنفق خارج إطار الموازنة، فإننا لا نكون أمام إدارة مالية للدولة، بل أمام جزر مالية مستقلة. لكل مؤسسة مواردها، ولكل سلطة المحلية جباياتها، ولكل مركز نفوذ قنواته الخاصة.
وهكذا تتحول الموارد العامة من أداة لتمويل الخدمات والرواتب إلى مصدر قوة للجهات التي تسيطر عليها. وتضعف الخزانة العامة، بينما تتضخم السلطات الموازية على حساب مؤسسات الدولة.
وهذا يكشف أن القضية ليست مالية فقط، بل هي أيضًا قضية أولويات وعدالة. فعندما تتوافر الأموال للنفقات السياسية والإدارية ولا تتوافر للرواتب، فهذا يعني أن الموظف لم يعد في صدارة سلم الإنفاق.
لا تُقاس أخلاق الحكومات بما تقوله عن معاناة الناس، بل بما تخصصه لهم من موارد. والموازنة، إن وُجدت، هي الترجمة الحقيقية للقيم والأولويات؛ فمن يحصل على التمويل يحظى بالأولوية، ومن يتأخر راتبه أشهراً يتلقى رسالة واضحة بأنه يأتي في آخر القائمة.
وعندما يصبح صرف الراتب خبراً استثنائيًا أو «إنجازًا» يُنسب إلى توجيهات مسؤول، تكون الدولة قد تخلت عن وظيفتها الأساسية. فالموظف لا يحتاج إلى وساطة كي يحصل على حقه، ولا ينبغي أن ينتظر قراراً سياسياً جديداً كل شهر.
إن انتظام الرواتب ليس مجرد إجراء مالي؛ إنه مؤشر على وجود الدولة. وكلما أصبحت الرواتب رهينة للتوجيهات والمساومات، اتسعت المسافة بين المواطن والمؤسسة، وتحولت الإدارة العامة إلى شبكة ولاءات بدلًا من كونها منظومة حقوق وواجبات.
لكن مكامن الخلل المحتملة معروفة: إيرادات لا تُورّد بالكامل، وجبايات غير قانونية، ونفقات تُصرف خارج الموازنة، وفروق في أسعار الصرف، وعقود تفتقر إلى المنافسة، ومرتبات مزدوجة أو وهمية، وتضخم في الجهاز الإداري، ومزايا لكبار المسؤولين، ومؤسسات لا تخضع لمراجعة مالية مستقلة.
المطلوب، إذن، ليس إطلاق الاتهامات جزافاً، بل فتح الحسابات. فالشفافية لا تعني أن تقول الحكومة إنها تعاني نقصاً في الموارد، وإنما أن تنشر أرقاماً يمكن التحقق منها.
ويجب كذلك مراجعة كشوفات الموظفين، وإلغاء الازدواج والوظائف الوهمية، ووقف التعيينات العبثية، وتقليص النفقات السيادية غير المبررة، وإخضاع المؤسسات الإيرادية لرقابة مستقلة، ونشر تقارير أجهزة الرقابة للرأي العام.
لكن هذه الإجراءات لن تنجح ما لم توجد إرادة سياسية تقبل المساءلة. فالمشكلة ليست في غياب المقترحات الفنية، بل في وجود أطراف تستفيد من بقاء المال العام موزعاً بين حسابات ومراكز نفوذ لا تخضع لسلطة واحدة.
إن الدولة التي تعجز عن إخبار مواطنيها بحجم مواردها وأوجه إنفاقها لا يحق لها أن تطالبهم بالصبر إلى ما لا نهاية. وقبل الحديث عن نقص الأموال، يجب الكشف عما جُمع منها، وأين أُودع، ومن أنفقه، وعلى ماذا.
فالرواتب المعلّقة والموارد السائبة وجهان لأزمة واحدة: غياب الدولة المالية. ولن تبدأ استعادة الدولة إلا عندما تدخل كل إيراداتها إلى خزينة معلومة، وتُصرف وفق موازنة معلنة، ويعرف المواطن أين تذهب أمواله.
لكن المشهد في اليمن، وفي الجنوب على وجه الخصوص، يبدو مقلوبًا: الرواتب تتأخر أو تتوقف، بينما تستمر الجبايات، وتتحرك الإيرادات، وتعمل الموانئ والمنافذ، وتُحصّل الرسوم والضرائب، وتبقى قطاعات ومؤسسات عامة تمارس أنشطتها. وهنا يفرض السؤال نفسه: إذا كانت للدولة موارد، فلماذا لا تصل الرواتب إلى أصحابها؟ وأين تذهب الأموال العامة؟
- الدولة لا تعاني شحًّا مطلقًا
قد تكون هذه الموارد قد تراجعت بسبب الحرب وتعطل الصادرات والانقسام المؤسسي، لكنها لم تختفِ تمامًا. ولذلك، فإن تفسير أزمة الرواتب بمجرد القول إن «الموارد غير كافية» لا يقدم إجابة مقنعة ما لم يُرفق بحسابات واضحة: كم تبلغ الموارد المتاحة فعلياً؟ ومن الجهات التي تحصّلها؟ وأين تُودع؟ وكيف تُوزع؟ وما ترتيب الأولويات عند الإنفاق؟
المشكلة الأساسية ليست دائماً في غياب المال، بل في غياب الموازنة الموحدة، وتعدد الجهات التي تحصّل الإيرادات وتنفقها، وعدم خضوع جانب كبير منها للرقابة العامة.
- الموارد السائبة تصنع سلطات موازية
أما عندما تحتفظ كل جهة بما تحصّله، أو تُودع الأموال في حسابات متفرقة، أو تُنفق خارج إطار الموازنة، فإننا لا نكون أمام إدارة مالية للدولة، بل أمام جزر مالية مستقلة. لكل مؤسسة مواردها، ولكل سلطة المحلية جباياتها، ولكل مركز نفوذ قنواته الخاصة.
وهكذا تتحول الموارد العامة من أداة لتمويل الخدمات والرواتب إلى مصدر قوة للجهات التي تسيطر عليها. وتضعف الخزانة العامة، بينما تتضخم السلطات الموازية على حساب مؤسسات الدولة.
- لماذا تكون الرواتب آخر الأولويات؟
وهذا يكشف أن القضية ليست مالية فقط، بل هي أيضًا قضية أولويات وعدالة. فعندما تتوافر الأموال للنفقات السياسية والإدارية ولا تتوافر للرواتب، فهذا يعني أن الموظف لم يعد في صدارة سلم الإنفاق.
لا تُقاس أخلاق الحكومات بما تقوله عن معاناة الناس، بل بما تخصصه لهم من موارد. والموازنة، إن وُجدت، هي الترجمة الحقيقية للقيم والأولويات؛ فمن يحصل على التمويل يحظى بالأولوية، ومن يتأخر راتبه أشهراً يتلقى رسالة واضحة بأنه يأتي في آخر القائمة.
- الراتب أداة للضغط السياسي
وعندما يصبح صرف الراتب خبراً استثنائيًا أو «إنجازًا» يُنسب إلى توجيهات مسؤول، تكون الدولة قد تخلت عن وظيفتها الأساسية. فالموظف لا يحتاج إلى وساطة كي يحصل على حقه، ولا ينبغي أن ينتظر قراراً سياسياً جديداً كل شهر.
إن انتظام الرواتب ليس مجرد إجراء مالي؛ إنه مؤشر على وجود الدولة. وكلما أصبحت الرواتب رهينة للتوجيهات والمساومات، اتسعت المسافة بين المواطن والمؤسسة، وتحولت الإدارة العامة إلى شبكة ولاءات بدلًا من كونها منظومة حقوق وواجبات.
- أين تذهب الأموال؟
لكن مكامن الخلل المحتملة معروفة: إيرادات لا تُورّد بالكامل، وجبايات غير قانونية، ونفقات تُصرف خارج الموازنة، وفروق في أسعار الصرف، وعقود تفتقر إلى المنافسة، ومرتبات مزدوجة أو وهمية، وتضخم في الجهاز الإداري، ومزايا لكبار المسؤولين، ومؤسسات لا تخضع لمراجعة مالية مستقلة.
المطلوب، إذن، ليس إطلاق الاتهامات جزافاً، بل فتح الحسابات. فالشفافية لا تعني أن تقول الحكومة إنها تعاني نقصاً في الموارد، وإنما أن تنشر أرقاماً يمكن التحقق منها.
- ما الذي ينبغي فعله؟
ويجب كذلك مراجعة كشوفات الموظفين، وإلغاء الازدواج والوظائف الوهمية، ووقف التعيينات العبثية، وتقليص النفقات السيادية غير المبررة، وإخضاع المؤسسات الإيرادية لرقابة مستقلة، ونشر تقارير أجهزة الرقابة للرأي العام.
لكن هذه الإجراءات لن تنجح ما لم توجد إرادة سياسية تقبل المساءلة. فالمشكلة ليست في غياب المقترحات الفنية، بل في وجود أطراف تستفيد من بقاء المال العام موزعاً بين حسابات ومراكز نفوذ لا تخضع لسلطة واحدة.
- المال العام ملك للمواطن
إن الدولة التي تعجز عن إخبار مواطنيها بحجم مواردها وأوجه إنفاقها لا يحق لها أن تطالبهم بالصبر إلى ما لا نهاية. وقبل الحديث عن نقص الأموال، يجب الكشف عما جُمع منها، وأين أُودع، ومن أنفقه، وعلى ماذا.
فالرواتب المعلّقة والموارد السائبة وجهان لأزمة واحدة: غياب الدولة المالية. ولن تبدأ استعادة الدولة إلا عندما تدخل كل إيراداتها إلى خزينة معلومة، وتُصرف وفق موازنة معلنة، ويعرف المواطن أين تذهب أمواله.














