في لحظات الحروب الكبرى، والمراحل الفارقة، لا تُقاس الحكمة بعلو الصوت، بل بقدرة القيادة على معرفة متى تتقدم، ومتى تتوقف خطوة ليحمي الظهر وإعادة ترتيب الصفوف. وما نحتاجه اليوم ليس انسحابا من المعركة، بل استراحة محارب - أن صح التوصيف - استراحة تغلق الثغرات، وتحرم العدو المتربص "الحوثي الإخواني" من استثمار أي ضعف أو تباين، وتمنح قواتنا الجنوبية فرصة لاستعادة تماسكها في مرحلة هي الأخطر منذ سنوات.

لسنا في ترف صراع داخلي، ولا نملك رفاهية الاستنزاف الذاتي والعدو لا يهاجمنا فقط بالسلاح، بل ينتظر لحظة الشرخ لينقضّ علينا من كل الجهات، كما فعل في تجارب قريبة تحولت فيها المدن إلى خرائب، والشعوب إلى نازحين، والأوطان إلى خرائط ممزقة.
  • اختلاف الأسلوب.. لا اختلاف الهدف
قد نختلف في الأدوات، وقد تتباين مواقعنا بين الرياض وأبو ظبي والقاهرة والميدان والساحات، لكن من الخطأ القاتل تحويل هذا الاختلاف إلى صراع، فمن يعمل في العواصم لا يخون من يتظاهر في الساحات ومن يتظاهر في الساحات لا يضر من يقاتل في الميدان، ومن يرفع صوته في الساحات لا يلغي دور من يناور سياسيا وهكذا .

طرقنا متعددة، نعم، لكن بوصلتنا واحدة، وصراعنا الحقيقي ليس بيننا، بل من أجل وطن واحد، وحق واحد، ومصير واحد.

قد نبدو مختلفين في الشكل، لكننا متقاربون في الجوهر دون إغلاق أبواب الحوار، يجمعنا جنوب لا يُنسى، وحق لا يُباع، وقضية لا تُكسر مهما اشتدت العواصف.

سنطرح سؤال سياسة بعيدا عن العاطفة، ونتحدث بمنطق وبعقل بارد لو افترضنا – جدلا – أن المملكة العربية السعودية خرجت من الملف الجنوبي، وعاد الملف إلى الإمارات العربية المتحدة أو إلى مصر أو أي دولة أخرى، وعاد الرئيس عيدروس الزبيدي إلى الواجهة بأكثر قوة.. هل يكفي هذا وحده لاستعادة الدولة الجنوبية، إذا تحولت السعودية إلى طرف مناهض لنا ولمشروعنا؟.

التجربة من أحداث مشابهه تُظهر كيف انهارت أنظمة بالمنطقة وتدمرت دول بسبب عنتريات مبنية على عواطف لم تقدر ميزان القوى العالمي بمقياس الفائدة والخسارة الوطنية.

كل الدول الكبرى وصناع القرار في العالم أوضحوا لقيادات المجلس الانتقالي الجنوبي عند زيارتها أو اللقاء بها أن ملف القضية الجنوبية بيد السعودية، وهي من يملك مفاتيح فتحه أو تجميده.

هذه الحقيقة قيلت بكل صراحة، وقيادات الانتقالي كانوا يتحدثون بها مع قواعدهم بشكل واضح، فهل من الحكمة اليوم فتح جبهة عداء جديدة مع السعودية بعد أن فتحت ملف القضية الجنوبية واحترامها لإرادة الشعب الجنوبي وتبنت حوار جنوبي جنوبي مع تدويل القضية ؟.

نعم، حدثت كارثة، وحدث شرخ في أحداث حضرموت، وهو شرخ مؤلم وليس بسيطا. لكن السؤال الأهم: هل مصلحة قضيتنا الجنوبية أن نتحول إلى خصومة مباشرة مع دولة بحجم وتأثير السعودية!؟.

السياسة لا تُدار بردود الفعل، بل بحسابات المصالح والأوطان لا تتحرر بفتح أبواب عداء جديدة مع قوى أقوى وأكبر من قوى الاحتلال التي نريد التحرر منها.

لا توجد مسيرة وطنية بلا أثمان، لكن الفارق دائمًا في حجم الثمن واتجاهه: هل ندفع ثمنا محسوبا لنقترب من الهدف ؟ أم ندفع ثمنا مدمرا يفتح الأبواب للفوضى والانتقام ؟

بعد 2015، حتى خصومنا من الإخوان تنوعت علاقاتهم بين عواصم مختلفة، ليس حبا فيهم، بل لأنها قاعدة سياسية معروفة

"لا تضع بيضك في سلة واحدة ولا تطرح كل أوراقك في يد واحدة، ولا تحرق كل الجسور دفعة واحدة"

الفرصة قائمة… فلماذا نُفشلها بأيدينا؟

اليوم، هناك مسارات سياسية واقتصادية وعسكرية وإعلامية تُفتح للتعامل مع القضية الجنوبية فما الحكمة من استعداء أي مسار في بدايته؟

لماذا يصوّر البعض دولة مؤثرة في صناعة القرار العربي والإسلامي والأممي كعدو استراتيجي، ونحن لم نستنفد بعد فرص التوازن والتأثير؟

هل السياسة معركة شعارات، أم فن إدارة الممكن.

الخصومة مع دولة بحجم السعودية ليس منشورا غاضبا، بل قرار استراتيجي تُحسب كلفته على الأجيال، لا على لحظة انفعال.

ألم يعلمنا التاريخ أن ما كان مرفوضا بالأمس قد يصبح رقما صعبا غدا، وأن السياسة لا تعرف العداوات الأبدية، بل المصالح المتحركة.

الجنوب على مفترق طرق، بين الحكمة والفوضى ونحن اليوم أمام خيارين:

إما إدارة الخلاف بعقل، وحماية نسيجنا الداخلي، ومنع الانقسام، ووقف التخوين، وتفويت الفرصة على الحوثي والإخوان…

أو الانزلاق إلى فوضى تُعيد إنتاج سيناريوهات مرعبة، تُحوّل مدننا إلى ساحات انتقام، وأهلنا إلى نازحين يبحثون عن خيام في جيبوتي وغيرها، وحينها لا ينفع الندم .

لابد الإدراك أن الإساءة والتخوين وتكسير الرموز الجنوبية – أيا كان موقعها – لا يخدم إلا أعداء الجنوب وعلى هذا الأساس فإن فريق الرياض أعلنها بوضوح: لن نكون ضد ثورة الشعب الجنوبي ولا قضيته ويرفض أي مشاريع يرفضها شعب الجنوب والشعب هو من يقرر مصيره بنفسه فهل من الحكمة استمرار الإساءة لهذا الفريق، أم أن الوقت حان لإغلاق هذا الباب !؟
  • كلمة أخيرة
الجنوب لا يحتاج مزيدا من الشقاق، بل مزيدا من العقل.

لا يحتاج صراخا أعلى، بل رؤية أعمق.

لا يحتاج معارك جانبية، بل اصطفافا وطنيا ذكيا يحمي القضية في أخطر مراحلها.

من يركب رأسه اليوم، قد يجرّ شعبًا كاملًا إلى الهاوية غدا.

من يقتنص الفرص بحكمة، قد ينقذ وطنا بأكمله.

والقرار ما زال بأيدينا إن أحسنا استخدامه.