> ياسمين الصلوي:
تخوض النساء المصابات بالفشل الكلوي في الأرياف اليمنية معركة قاسية من أجل البقاء، في ظل غياب مراكز الغسيل الكلوي حيث يضطررن لقطع مسافات طويلة للوصول إلى المدن، لتتحول رحلة الشفاء إلى عبء مضاعف بسبب وعورة الطرق، وارتفاع تكاليف النقل، في ظل اتساع رقعة الفقر منذ اندلاع الحرب في البلاد.

أم دعا واحدة من بين مئات النساء اللواتي يتكبدن مشقة المرض، إذ نزحت إلى قريتها في ريف تعز بعد أن واجهت طوابير طويلة وقاسية أمام مركز الغسيل الكلوي في الحديدة، نتيجة النقص الحاد في المستلزمات الطبية.
تقول أم دعاء: "لم يجد إخواني خيارًا سوى التكاتف لاستئجار مسكن في مدينة تعز، لضمان قربي من المركز وتجنيبي مشقة التنقل المستمر لإجراء جلسات الغسيل المقررة مرتين أسبوعيا".
عقب وصول الحرب إلى محافظة الحديدة في العام 2015، أُجبر الآلاف على النزوح فرارًا من الموت، وكان مرضى الفشل الكلوي الفئة الأكثر تضررًا وهشاشة، لا سيما أولئك الذين لم يجدوا ملاذًا سوى منازل أقاربهم في المناطق الريفية النائية.
- أعباء مضاعفة
وتكشف عن التكاليف الباهظة التي تدفعها المريضة الريفية عند انتقالها للمدينة، حيث تتراوح كلفة استئجار المسكن بين 100 إلى 300 ألف ريال يمني شهريًّا، يضاف إليها نفقات علاجية تتجاوز 50 ألف ريال.
وتمتد قائمة التكاليف لتشمل مصاريف يومية تتخطى 5 آلاف ريال خلال جلسات الغسيل، ومصاريف شهرية عامة تزيد عن 200 ألف ريال، هذا في حال استقرار الحالة الصحية، ناهيك عن تكاليف شراء الأدوية التي يُفترض صرفها مجانًا ولكن تعجز المراكز عن توفيرها بسبب ضعف الدعم.
ومن العلاجات التي يفترض صرفها مجانا، إبر الدم التي يصل سعرها إلى 7 آلاف ريال، وعلاجات الكالسيوم والفيتامينات، وأدوية الضغط التي قد تصل كلفتها إلى 20 ألف ريال، وصولًا إلى المحاليل الوريدية، وتتفاقم المعاناة مع الأمراض الأخرى.
تروي أم دعاء تجربتها مع فيروس الكبد الذي كلفها فحصُه 120 ألف ريال، بينما تبلغ كلفة الجرعة الواحدة من علاجه 180 ألف ريال بواقع ثلاث جرعات شهريًّا، ولا تختلف معاناة أم دعا عن أم ريان، التي تقطع مسافات بعيده مرتين أسبوعيًّا من محافظة الضالع إلى مدينة إب، في رحلة سفر تكلفها 60 ألف ريال ذهابًا وإيابًا في كل جلسة، بالإضافة إلى تكاليف الإقامة المرتبطة بفترات الانتظار الطويلة وحالتها الصحية المجهدة بعد الغسيل.
تشير الإحصائيات التي حصل عليها موقع "ريف اليمن" من مصادر طبية عن حجم الظاهرة، ففي محافظة تعز وحدها، تتردد 55 امرأة من مختلف المناطق الريفية مثل شرعب، وجبل حبشي، والصلو، وماوية، والمعافر، وغيرها على مراكز الغسيل.
وفي الضالع، تتردد 22 امرأة من مناطق نائية كقعطبة والأزارق والفاخر، أما في شبوة، فتتوزع المريضات على أربعة مراكز، منها مركز عسيلان الذي ترتاده 11 امرأة، بينما سجل مركز مستشفى الشحر العام 18 حالة، ومركز الغيضة في المهرة 12 حالة من مديريات حوف والمسيلة وسيحوت وغيرها، مما يعكس اتساع المأساة واتساع رقعتها التي بدورها تنعكس سلبًا حتى على الصحة النفسية.
- تأثيرات نفسية
ويرى الحميدي أن الآثار تزداد حدة لدى المرأة الريفية في اليمن، نظرًا لتردي الظروف المعيشية، وهشاشة البنية الصحية، والأزمات المتراكمة التي أفرزتها الحرب.
وأوضح في حديثه أن المريضة الريفية تواجه صدمة نفسية مضاعفة؛ فالتشخيص غالبًا ما يأتي متأخرًا نتيجة ندرة المرافق المتخصصة وبعدها الجغرافي، فضلاً عن محدودية الوعي الصحي، هذا التأخير يجعل الصدمة أشد وقعًا، إذ تجد المرأة نفسها فجأة أمام مرض يتطلب بروتوكولًا علاجيًّا مرهقًا في بيئة تفتقر للإمكانات، مما يولد مشاعر الخوف، والإنكار، والقلق من المصير المجهول.

وأضاف الحميدي أن المريضات يعانين من مستويات مرتفعة من القلق والاكتئاب نتيجة تقاطع المرض مع ضغوط الحياة اليومية، فعدم الاستقرار المادي وارتفاع كلفة العلاج يفاقمان الإحساس بالعجز واليأس، كما أن خوف المرأة من فقدان دورها التقليدي كركيزة أساسية للأسرة يزيد من وطأة حالتها النفسية.
وأكد على أنه لا يمكن فصل الآثار عن السياق الإنساني العام؛ فالحرب وانعدام الأمن وصعوبة التنقل، إضافة إلى خطر انقطاع الأدوية أو توقف جلسات الغسيل، عوامل تحوّل القلق اليومي إلى ضغط نفسي مزمن يلازم المريضة، ويجعل من صراعها مع المرض معركة نفسية لا تقل ضراوة عن الألم الجسدي.
- غياب الدعم
وفي حديثه، أوضح المحيا أنه رغم الارتفاع المستمر في أعداد المرضى، إلا أن المركز ما يزال صامداً بفضل الله ثم بدعم فاعلي الخير، وأشار إلى أن غياب الميزانية التشغيلية يمثل التحدي الأكبر؛ إذ إن توفرها سيمكن المركز من تأمين المحاليل والأدوات الطبية، وصيانة المعدات الحالية، وتحديث الأجهزة المتهالكة التي انتهى عمرها الافتراضية. د
من جانبه شدد مسؤول مركز الكلى الصناعية بمستشفى الشحر العام في محافظة حضرموت، علي بامؤمن، على غياب أي دعم رسمي للمركز، مؤكداً أن استمرارية الخدمة تعتمد كليًّا على مبادرات فاعلين الخير.
وأعرب بامؤمن عن مخاوف حقيقية من توقف الخدمات الطبية نتيجة انقطاع جزء كبير من الدعم بنهاية عام 2024، مشيرًا إلى أن إدارة المركز تبذل جهودًا استثنائية لتوفير الاحتياجات الأساسية لضمان عدم حرمان المرضى من الرعاية الصحية الضرورية.
- أزمة مستمرة
ويرى الشرعبي أن تداعيات الحرب أسهمت في تعقيد عملية التنقل وزيادة مخاطرها وتكاليفها، سواء بين المحافظات أو داخل المدن ذاتها، وقد ترافق ذلك مع تراجع ملحوظ في المساعدات الإنسانية؛ مما أدى إلى انعكاسات كارثية؛ أولها على المستوى المعيشي للمرضى، وثانيها على الاستقرار الأسري، حيث اضطر الكثير من المرضى إلى حرمان أبنائهم من التعليم لعدم القدرة على تحمل التكاليف. مريضات الفشل الكلوي: رحلة شاقة للبحث عن الغسيل

ويشدد الشرعبي على أن الحل يكمن في افتتاح مراكز غسيل كلى ريفية مجهزة بالكامل تقدم خدماتها مجانًا؛ إذ من شأن هذه الخطوة أن تخفف عبء السفر، وتعزز الاستقرار الأسري، وتتيح للأسر توجيه مواردها المحدودة نحو التعليم والتحسين المعيشي، كما أشار إلى أن هذه المعاناة تتضاعف لدى النساء الريفيات، خاصة من يعشن بمفردهن أو يعلن أنفسهن.
من جانبه أكد عصام المحيا، أن مرضى الريف هم الفئة الأكثر احتياجا للسكن المجاني ووسائل المواصلات الآمنة، إلى جانب الدعم المادي والنفسي، وأكد في حديثه أن المريضات بحاجة ماسة إلى برامج التثقيف الصحي والإرشاد المستمر، بما يسهم في تحسين جودة حياتهن وتعزيز قدرتهن على التعايش مع المرض في ظل الظروف القاسية.
وبحسب اللجنة الدولية للصليب الأحمر، بلغ عدد المصابين بالفشل الكلوي في اليمن نحو 4,400 مصاب، فيما وصلت نسبة الوفيات منذ عام 2015 إلى ما يقارب 25 % من إجمالي الحالات.
كما أسهمت الحرب في إغلاق العديد من مراكز غسيل الكلى، التي يبلغ عددها 32 مركزًا موزعة على عدة محافظات يمنية، الأمر الذي زاد من العبء على المراكز التي لا تزال تعمل، وفاقم معاناة الكثير من مرضى الفشل الكلوي.
"ريف اليمن"



















