> فخر العزب:

في قلب مدينة تعز القديمة، حيث تتعانق الأزقة الحجرية مع ظلال المآذن يقف مسجد المعتبية شاهدًا على زمن كانت فيه المدينة عاصمة اليمن الأزهى، وحاضرة الدولة الرسولية التي بسطت نفوذها من سواحل ظفار شرقًا إلى أعالي الحجاز شمالًا. من أي باب يدخل منه زائر تعز القديمة تستقبله نسمات عتيقة، محمّلة بروحانية ووقار المسجد، في مشهد يستدعي قرونًا من العبادة والعلم والإشعاع الثقافي.

أنشئ مسجد المعتبية عام 1392 حين أمرت بتشييده السيدة الفاضلة المعروفة بـ"الجهة الكريمة"، زوجة سابع ملوك الدولة الرسولية الملك الأشرف إسماعيل بن العباس. ووفق تقاليد القصر الرسولي في التحفظ على أسماء نساء العائلة المالكة، أُطلق على الصرح اسم المعتبية تخليداً لمكانة مؤسسته التي أرادت أن يكون منارة تعليمية ومأوى للأيتام، ورتّبت فيه طاقمًا متكاملًا من المدرسين لتدريس علوم القرآن والفقه الشافعي والمنطق والجبر، وغدا قلبًا نابضًا بالحركة الفكرية في تعز القديمة.


وخرّجت مدرسة مسجد المعتبية علماء وفقهاء، وساهمت في نشر العلم والثقافة خلال العهد الرسولي.

يقول الباحث في التاريخ اليمني عبد الغني الصبري: "مثلت مدرسة المعتبية نموذجًا للمدارس الرسولية التي جمعت بين الوظيفتين الدينية والتعليمية، وساهمت في تكوين نخبة علمية أثرّت في الحياة الفكرية باليمن. وكانت تعز في تلك الفترة مركز إشعاع علمي، والمعتبية واحدة من أبرز معالمه. ومنح هذا الدور العلمي المسجد مكانة خاصة في وجدان أبناء المدينة، إذ لم يكن مكانًا للصلاة فقط، بل فضاءً للمعرفة والحوار وملتقى للعلماء والطلاب".


على الصعيد المعماري، يجسّد المعتبية ملامح العمارة الرسولية التي تتميّز بالدقة الهندسية والاهتمام بالتفاصيل الزخرفية، مع توازن بين البساطة والثراء الفني. يتألف من صحن مكشوف تحيط به أربعة أروقة، ويتوّج سقف بيت الصلاة بست قبب متساوية الحجم مرصوصة بانتظام هندسي دقيق في صفين متوازيين، ما يمنحه مظهرًا خارجيًّا أيقونيًّا وفضاءً داخليًّا روحانيًّا.

وتتزين القباب من الداخل بنقوش وزخارف نباتية وكتابية ملونة جميلة تشبه تلك في جامع العامرية بمدينة رداع، وتبرز المئذنة ببدنها المثمن الرشيق ونقوشها الدقيقة واحدة من أجمل مآذن المدينة. ويكتمل المشهد بسقف المدرسة المزدان بنقوش "فريسكو" الجصية التي استخدمت فيها ألوان طبيعية لا تزال تحتفظ ببريقها رغم مرور القرون.


ويظهر التأثير الرسولي في استخدام الأقواس المدببة والتشكيلات الهندسية التي تضفي على المكان طابعًا مهيبًا، وداخل المسجد تتجلى روعة الفن الرسولي في الزخارف الجصية الدقيقة التي تغطي أجزاءً من الجدران والأسقف، حيث تتداخل الأشكال الهندسية مع الزخارف النباتية الملونة في انسجام بصري يعكس ذوقًا فنيًّا رفيعًا. كما تنتشر الكتابات العربية بآيات قرآنية وأدعية وخطوط زخرفية محفورة بعناية، وتؤكد العلاقة الوثيقة بين الفن والدين في ذلك العصر. وليست هذه النقوش مجرد زينة، بل وثيقة فنية وتاريخية تحكي عن مهارة البنّائين والحرفيين الذين أبدعوا في تشكيل الجص والحجر، وجعلوا المسجد تحفة معمارية تتحدى الزمن.

ولمسجد المعتبية في قلوب أبناء تعز مكانة تتجاوز قيمته الأثرية، ففي شهر رمضان تتحول ساحات المسجد إلى خلية نحل تجمع الكبار والصغار لإحياء الليالي بالذكر وتلاوة القرآن. ويرتبط اسم المسجد في الذاكرة الشعبية بروحانية خاصة وصوت مؤذنه الذي يتردد صداه في أزقة المدينة القديمة معلنًا موعد الإفطار.

ويقول الحاج سيف غالب: "أجد في مسجد المعتبية روحانية لا تضاهى، فطرازه الرسولي بنقوشه وزخارفه البديعة يحكي عظمة تاريخنا ويأسر الألباب. هذا المزيج بين قدسية المكان وجمال الفن الإسلامي الفريد هو ما يدفعني إلى زيارته دائمًا، والحرص على أداء الصلاة في رحابه".

ورغم ما أصاب المسجد من إهمال عبر الزمن، لا يزال شاخصًا بشموخ في حي الأشرفية، غرب المدرسة الأشرفية وأسفل قلعة القاهرة، ويشهد على رقي العصر الرسولي وقدرة الإنسان اليمني على الابتكار. ووثّق المعماري الأسترالي، رونالد لوكوك، هذا الجمال بعدسته عام 1974، مؤكدًا القيمة الروحانية والتعليمية للمبنى.

وفي ختام هذا المسار الذي يمتد بين الماضي والحاضر جاء الاعتراف الدولي ليكرّس مكانة المعتبية، إذ أدرجته منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (يونيسكو) ضمن قائمة الحماية المعززة في ديسمبر 2025، في قرار شمل سبعة مواقع يمنية. وشكل ذلك اعترافًا عالميًّا بقيمة الصرح التاريخية والروحية، ورسالة بضرورة صونه باعتباره وثيقة حجرية حيّة تعكس الذوق الرفيع الذي بلغه الفنان اليمني القديم.

"العربي الجديد"