اخترنا هذا العنوان - وهو في حقيقته مقلوب العبارة الشهيرة التي أطلقها عالم الرياضيات والفيلسوف الفرنسي الشهير (رينيه ديكارت 1596 -1650) حين قال: " أنا أفكٌّر ...إذن أنا موجود.

وقد كان اختيارنا لهذه العبارة - التي إن بدلنا مواضع الكلمتين اللتين تليا الضمير (أنا) حصلنا على عنواننا المبين أعلى هذه العجالة - نتيجة طبيعية لمتغيرات حياتية وفلسفية، جراء التغيرات في هذا العالم المطرب والتغير بوتيرة سريعة. حتى لكأننا تعجز عن مجاراة المستجدات التي نعيشها في كل ساعة تقريبا.

دعونا نتعمق قليلًا فيما قاله هذا العالم الفيلسوف ديكارت.

إنه في عبارته الشهيرة - أنا أفكر إذن أنا موجود - مثل الوجود ذاته والفكرة والتفكير، ورتب أهميتها حسب مبدأ المهم فالأهم. لقد وضع الفكر أو بالأحرى التفكير كسمة أساسية خاصة للإنسان مقابل وجود إنسان ككينونة في الحياة. فما قيمة الإنسان في الحياة أصلًا، إذا لم يتحل إنسان نفسه بالفكر والتفكير. ومن زاوية أخرى، كأنما استشرف الرجل (ديكارت) حدوث تغيرات كبيرة ستحدث في الحياة، فأراد أن ينبهنا إلى أن التفكير كميزة إنسانية هو (نقصد التفكير) فقط من يعطي البشرية صفة الحياة ذاتها. ولعل ظهور ما يسمى والذكاء الاصطناعي في السنوات العشر الأخيرة، واستخداماته التي لا حدود لها، ولا قريب ينظمها، هي من أعطى للضمير اللغوي (أنا) في العبارة دلالته الواضحة التفريق بين إنسان وبين آلته. قد يكون ذلك صدفة تاريخية، وقد يكون استقراء للآتي، وإن كان الرجل قد عاش قبل نحو 500 عاما تقريبا.

دعونا نتحدث قليلا عن التفكير بصورة أكثر وضوحا، ولنسأل أي تفكير نعني، فالتفكير عملية يمكن أن تحدث في مستويات عدة؛ فهناك من يفكر حول نفسه، وهناك من يفكر في أسرته، أو قريته، أو مدينته، أو شعبه، أو أمته. وهنا سنقول أن ما نعنيه تحديدًا خدعة التفكير الأوسع والأكثر سنوات. أننا تعني هنا أولئك البشر الذين أوكلت اليهم مهمة أو مسؤولية قيادة شعب أو أمة وقدرتهم على استيعاب المهام الموكلة إليهم ومقدرتهم على القيادة واستئصال شعوبهم إلى مستوى أعلى ومستويات أرقى في شتى مناحي الحياة وتأمين الأمن والحياة الكريمة لشعوبهم. وهنا لا بد لنا من أن نسأل عن هؤلاء القادة أو المسؤولين، وعن قدراتهم ولا سيما الفكرية منها والمعرفة وعن ملكاتهم الإدارية والسياسية المعرفية، وما إذا كانوا يتميزون بالمؤهلات اللازمة لتأديتهم لمهامهم. فبقدر السوء الذي أُوصل الناس إليه يصبح من الواجب معرفته وتحديدًا قدرات أولئك القادة. وبتعبير آخر، إن إخراج الشعب من المستوى المنحط الذي وصلت إليه الناس في كل مناحي الحياة، يتطلب نوعية من القادة متميزة بقدرات خاصة وعالية الكفاءة لا سيما في هكذا ظروف اللغة الاستثنائية. وبتعبير أدق أن المرحلة التي يعيشها الناس بحاجة إلى قلادة من سوي الفكر والقدرات العلمية، لإخراج البلاد والعباد من هذه الأوضاع بالغ السوء. ما نطلبه ليس ترفًا أو تعقيدًا نضعه من باب المكايدة السياسية، بل حقيقة يجب الاعتراف بها والعمل من أجل إيجاد معالجة حقيقية لها وتصحيح الأوضاع العوجاء في كل مناحي الحياة.

إن غياب الفكر عن الساحة السياسية هو واحد من الأسباب التي أوصلتنا إلى ما نحن فيه إن من لا يمتلك فكرة، طبقا للمقولة الديكارتية يعتبر غير موجودة في هذه الحياة.. يعتبر عدمًا.

إن تغيير أهل الفكر من أبناء الشعب، لا يعني أبدًا أنهم غير موجودين في هذه الحياة، كما أن وجود الأغبياء من القادة وغيرهم، لا يعني أبدا أنهم أحياء، ربما لذلك السبب قال ديكارت مقولته، وربما لهذين السببين كُتْب عنوان هذه المقالة.. التي تقرؤونها الآن.