> بسام القاضي
- مسار مخنوق ..ثلثا مساحة محمية الوادي الكبير في مهب الضياع
لكن هذه الجنة الخضراء تحوّلت اليوم إلى ساحة إبادة بيئية ممنهجة، حيث التهم التوسع العمراني العشوائي والفساد المستشري أكثر من ثلثي مساحتها، تاركًا وراءه أطلالًا تشهد على جريمة مكتملة الأركان.
يكشف هذا التحقيق حجم الكارثة البيئية التي ضربت محمية الوادي الكبير، وكيف تواطأت جهات حكومية على تجاهل القوانين البيئية لمصلحة حسابات ضيقة في ظل صمت مريب من الجهات الرقابية.
- قرارات حكومية تُشرّع النهب
بدأت شرارة التدمير الممنهج حين وافقت هيئة المنطقة الحرة بعدن على إقامة "مدينة الرباك السكنية السياحية" على أراضي المحمية، رغم صدور قرار مجلس الوزراء رقم (249) لعام 2008 الذي يُحدّد مساحتها ويحميها قانونيًا.

وبموجب هذا التصريح المخالف، استُولي على 27 هكتارًا من قلب المحمية لإقامة مشروع سكني سياحي، في خرق صريح للقانون.
لم تكتفِ الهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني بالتفرّج، بل باشرت صرف الأراضي للمشروع الاستثماري بالمخالفة الصريحة للتشريعات النافذة. وهكذا تحوّل مشروع "مدينة الرباك" إلى بوابة عبور لموجات متتالية من الاستيلاء على الأراضي المحمية وتحويلها إلى مناطق سكنية وتجارية.
إذ تسببت الاعتداءات العمرانية داخل مجرى وادي عدن الكبير في كارثة إنسانية بمنطقة الحسوة حسبما حذرت الأستاذة حميدة صالح رئيسة جمعية الحسوة البيئية التنموية.
مشيرة إلى أن البناء العشوائي في "قلب الوادي" حرف مسار السيول القادمة من محافظة لحج، ما أدى إلى اجتياح مناطق سكنية لم تكن تاريخياً ضمن نطاق الفيضانات.
- أرقام صادمة توثّق الكارثة
جُرّفت آلاف أشجار نخيل البهش المعمّرة التي كانت تُغطّي أكثر من 30 هكتارًا في شمال المحمية. ودُمّر التنوع البيولوجي الفريد الذي كان يُميّز هذه المنطقة وحوّلها من محمية أراضٍ رطبة إلى أرض جرداء تعلوها المباني العشوائية.
ثلاث هيئات حكومية يُحمّلها التقرير المسؤولية المباشرة عن هذه الكارثة (هيئة المنطقة الحرة، والهيئة العامة للأراضي والمساحة والتخطيط العمراني، وفرع الهيئة العامة لحماية البيئة بعدن) حيث تضافر الفساد الإداري والمالي في هذه المؤسسات الثلاث لتسهيل عمليات التدمير الممنهج.
- إبادة تراث وطني
نخيل البهش هذا الرمز التاريخي والثروة الطبيعية التي توارثتها الأجيال، تعرّض لعمليات تجريف وقطع واسعة النطاق أحدثت تغييرًا جذريًا في طبيعة المنطقة.

كانت هذه الغابات تُمثّل شريان حياة للمجتمع المحلي حيث اعتمد السكان عليها في صناعة الخل البلدي، ومشغولات الخوص من سعف النخيل، فضلًا عن كونها مرعى للإبل والأغنام والأبقار.
ويُرجع تقرير مركز رؤى تدهور أشجار البهش إلى الاستغلال الجائر وعدم إتاحة الفترة الكافية للتجدد الطبيعي، إضافة إلى حالة الجفاف التي يعاني منها الموقع، غير أن الضربة القاضية جاءت مع عمليات التجريف المتعمّد التي حوّلت الغابة التاريخية إلى أثر بعد عين.
- كوارث وشيكة
وكشف الجعبي عن ثلاث تحديات رئيسية تُحاصر المحمية (التوسع العمراني العشوائي الذي يقضم مساحاتها الخضراء، وانتشار الأنواع النباتية الغازية التي تُهدّد التنوع البيولوجي الأصلي، ونقص الموارد المالية والبشرية اللازمة للحماية.
وشدّد الوكيل على أن التعديات المستمرة قد تُفضي إلى خسائر في الأرواح، داعيًا إلى تضافر الجهود الحكومية والمجتمعية لوضع خطط شاملة لإدارة المنطقة الساحلية واتخاذ إجراءات صارمة ضد المعتدين.
- عواقب وخيمة تتجاوز البيئة
التدمير الممنهج لهذه المنطقة الحيوية يُنذر بعواقب كارثية تتجاوز الأضرار البيئية المباشرة، إذ يُهدّد بتغيير المناخ المحلي، وتقليص قدرة المنطقة على امتصاص مياه الأمطار، مما يُضاعف مخاطر الفيضانات في ظل التضييق المستمر لمناطق جريان السيول.

كما يُهدّد مصادر المياه الجوفية، ويُدمّر التراث الثقافي للمنطقة، في وقت يشهد فيه العالم تغيرات مناخية متسارعة ومُقلقة.
ويُحذّر تقرير مركز رؤى من أن المنشآت المُقامة عشوائيًا داخل المحمية تفتقر إلى البنى التحتية الملائمة، وتقع في مسار جريان السيول، مما يُعرّضها لخطر الفيضانات التي يشهدها الوادي الكبير بين الحين والآخر.
- درع عدن الواقي يتهاوى
وأوضحت البروفيسورة السيد أن هذه المحميات تعمل كأحواض طبيعية لامتصاص الكربون وتنقية المياه، وتُوفّر موطنًا للعديد من الأنواع النباتية والحيوانية، بعضها مستوطن ولا يوجد إلا في هذه المنطقة.
بدوره كشف المهندس عبد السلام الجعبي عن تعرض محمية "مصب الوادي الكبير" لعملية تدمير ممنهجة بعد أن التهم الزحف السكاني 70 % من مساحتها البالغة 173 هكتارًا، محملًا تعدد جهات صرف الأراضي (هيئة أراضي الدولة والمنطقة الحرة والسلطات المحلية) المسؤولية عن تضييق مجرى الوادي وتحويل أجزاء واسعة منه إلى مخططات سكنية وعشوائيات.
كما تُمثّل مختبرات طبيعية لدراسة التنوع البيولوجي والتكيّف مع البيئات القاسية، وتحتوي على تكوينات جيولوجية تُوثّق التغيرات البيئية عبر العصور.
من جانبه أكّد الدكتور عبد الرقيب العكيشي المدير الفني لوحدة تغير المناخ في وزارة المياه والبيئة الحاجة الملحّة لإجراء دراسات علمية مُعمّقة لتقييم تأثير التغيرات المناخية على هذه المحميات مُشدّدًا على أن الاستثمار في البحث العلمي وحمايتها هو استثمار في مستقبل المدينة.
- ملاذ بديل
ودعا البلم إلى حماية الأراضي الرطبة في عدن باعتبارها ملاذًا حيويًا للطيور المائية كالبجع والنحام، مُحذّرًا من أن التهديدات المتصاعدة كالصيد الجائر والتلوث تُنذر بتقليص أعداد الطيور وتنوّعها البيولوجي.
وشدّد على أن للطيور قيمة علمية كبيرة لفهم التغيرات البيئية، إضافة إلى قيمتها الاقتصادية في جذب السياحة البيئية وتنمية الاقتصاد المحلي.
- وباء يجتاح المحميات الأخرى
الجعبي أكد أن كارثة سيول 2025 كانت دليلًا قاطعًا على خطورة هذه التعديات، حيث أدى عجز القنوات الطبيعية عن استيعاب مياه الأمطار إلى فيضانات جرفت الأخضر واليابس وتسببت في وفيات ودمار واسع للبنية التحتية.
ويُرجع تقرير مركز رؤى هذه التغييرات إلى استشراء الفساد الإداري الذي ضرب عدن وحمّى الاستيلاء على الأراضي، خاصة بعد حرب 1994، ثم تفاقمت بعد حرب 2015، مما أفرز تدخلات بشرية سلبية طالت مختلف المحميات.
- منظومة قانونية قوية لكنها مُعطّلة
شدّد فهد محمد سعيد المستشار القانوني للهيئة العامة لحماية البيئة على وجود إطار قانوني متين لحماية محميات الأراضي الرطبة، غير أن التحديات الميدانية تحول دون تفعيله، وفي مقدمتها نقص التمويل، وضعف الكوادر، وآثار الحروب، والفساد الإداري والمالي.

واقترح المستشار القانوني تشكيل لجان مشتركة للتحقيق في التعديات واتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة لاستعادة الأراضي المنهوبة، إلى جانب توفير التمويل الكافي، وتدريب الكوادر، وتعزيز الشفافية والمساءلة، وإشراك المجتمع المدني في منظومة الحماية.
- صوت المجتمع المدني
واتّفق المهندس طارق حسان خبير التغيرات المناخية والتنمية المستدامة على أهمية تمكين الشباب والمنظمات الأهلية من تنظيم مبادرات توعوية وحملات تنظيف وتوفير فرص عمل للمجتمعات المحلية مرتبطة بحماية المحميات.
- خارطة طريق للإنقاذ
كما اقترحت البروفيسورة ندى السيد والدكتور العكيشي تطبيق الحلول الطبيعية كزراعة أشجار المانجروف وبناء الحواجز الصناعية، وتعزيز التعاون بين الحكومة والمجتمع المدني والقطاع الخاص.
- جرس إنذار أخير
حماية البيئة ليست ترفًا أو رفاهية بل ضرورة حتمية للحفاظ على الحياة واستدامتها.
فالمسؤولية اليوم تقع على عاتق الحكومة والجهات المعنية لاتخاذ إجراءات عاجلة وحاسمة لوقف التدهور البيئي فورًا، ومحاسبة المتورطين في هذه الجريمة البيئية وإعادة تأهيل ما يمكن إنقاذه من المحمية، ووضع آليات صارمة لمنع أي اعتداءات مستقبلية.
"منصة سد"


















