غارقون نحن، حد الثمالة، في تفاصيل الهوامش، بينما يمر المتن من أمام أعيننا دون أن نعيره التفاتة حصيف.. نعيش واقعًا تحكمه العاطفة المفرطة التي تفتقد لبوصلة العقل، وندمن صناعة الخلاف من عدم، لننشغل بصغائر الأمور وقشورها، في وقتٍ يواجه فيه المشروع الوطني الجنوبي استحقاقات مصيرية تتطلب وحدة الصف والهدف نحو استعادة الدولة والاستقلال.

من المحزن حقًا أن نرى كل هذا الضجيج وهذا الانقسام الحاد، وتبادل الاتهامات الذي ملأ الفضاء الإلكتروني والمجالس، لمجرد ذهاب نادي التلال لخوض مباراة كرة قدم في صنعاء، أو حول جدلية تغيير مسمى المجلس الانتقالي وإضافة«الجنوب العربي».

وكأن قدر الجنوب واستقلاله باتا معلقين بامتناع فريق رياضي عن السفر لمحافظة شمالية، أو بحروف تُزاد أو تُنقص في تغيير مسمى مكون سياسي، بينما الغاية الكبرى والمشروع الوطني الجامع ينتظران منا ما هو أبعد من مجرد ردات الفعل العاطفية والمتشنجة.

هذه الحالة الذهنية تعكس بوضوح أننا شعب عاطفي بامتياز، يسهل اصطياده بفتات القضايا وجرّه إلى معارك جانبية تستنزف الطاقات وتشغل الأنظار عما هو أهم وأكثر إلحاحًا.

إن الانشغال بمثل هذه الأمور البسيطة وتضخيمها لا يخدم سوى المتربصين الذين يدركون جيدًا كيف يصرفون وعينا الجمعي عن جوهر الصراع الحقيقي، لنجد أنفسنا غارقين في لجة التخوين والمناكفات العقيمة التي لا تبني وطنًا ولا تحرر أرضًا.

لقد آن الأوان لنتجاوز هذه السطحية في التعاطي مع الأحداث، ونرتقي بوعينا السياسي بعيدًا عن ضيق الأفق والارتهان للحظة العاطفية العابرة.

إن قدرتنا العجيبة على الاختلاف والتشظي حول أبسط المسائل هي الثغرة التي يُنفذ منها للالتفاف على أي تقدم نحرزه، لنعود في كل مرة إلى مربع الصفر أو قريبًا منه، مثقلين بالخيبات التي صنعناها بأيدينا نتيجة تغليب الانفعال على منطق الدولة ومصلحة الشعب العليا.

علينا أن نصرف النظر عن مثل هذه الهوامش البسيطة، ونولي القضايا الاستراتيجية جل اهتمامنا، فالثورات التي لا يسندها وعي سياسي رصين تظل رهينة للصدف والتقلبات. وللأسف هذا واقعنا.