​إن أي عملية حوار سياسي جاد تستند، في جوهرها، إلى مرجعية قانونية واضحة وكيان يتمتع بحد أدنى من الشرعية والسيادة الفعلية.

غير أن الواقع اليمني الراهن يكشف عن اختلال عميق في هذا الأساس، حيث لم يعد ما يُسمى بالجمهورية اليمنية يمتلك مركزًا قانونيًا متماسكًا يمكن الركون إليه لبناء حوار حقيقي. فالسيادة منتهكة، والقرار مرتهن، ومؤسسات الدولة فاقدة لفاعليتها، الأمر الذي يجعل أي دعوة للحوار تحت هذا السقف مجرد إعادة تدوير لأزمة مستعصية.

وفي هذا السياق، جاء خطاب القيادة الرسمية، وعلى رأسها خطاب الدكتور رشاد العليمي، ليؤكد تمسكه بإطار الجمهورية كمرجعية وحيدة للحوار، متجاهلًا حجم التحولات التي شهدها الواقع على الأرض، خصوصًا في الجنوب. هذا الإصرار قوبل برفض جنوبي واضح، ليس من باب المناكفة السياسية، بل من منطلق قناعة راسخة بأن الحوار تحت سقفٍ فاقدٍ لشرعيته لا يمكن أن يُنتج حلولًا عادلة أو مستدامة.

لقد بات الموقف الجنوبي أكثر وضوحًا وحزمًا في رفض أي حوار يُفرض ضمن منظومة لم تعد تمثلهم، بل إن هذا الرفض امتد ليشمل الاعتراض على وجود تلك السلطة نفسها في عدن، باعتبارها لم تعد تعكس إرادة أهلها ولا تعبّر عن تطلعاتهم. فعدن، بما تمثله من رمزية سياسية وتاريخية، لم تعد تقبل أن تكون مقرًا لسلطة منقطعة عن واقعها، أو منصة لإعادة إنتاج مشاريع فشلت في الماضي.

وفي ظل هذا الواقع، يتعزز الاتجاه نحو تبني مسار مختلف، يقوم على حوار جنوبي–جنوبي يعكس الإرادة الحقيقية لأبناء الجنوب، ويُعقد في إطار يضمن التوازن والاحترام المتبادل، بعيدًا عن الضغوط أو الوصاية. فالحوار، لكي يكون مجديًا، يجب أن ينطلق من الاعتراف بالواقع لا إنكاره، ومن احترام إرادة الشعوب لا الالتفاف عليها.

أما ما يُسمى بالشرعية، فقد بدا جليًا أن أولوياتها لم تعد موجهة نحو استعادة الدولة أو معالجة جذور الأزمة في الشمال، بل انصب تركيزها بشكل لافت على الجنوب، وكأنه البديل الممكن لتعويض خسائرها السياسية. هذا التوجه، الذي يفتقر إلى الواقعية، يُقابل برفض واسع، ويُنظر إليه باعتباره محاولة لفرض أمر واقع مرفوض شعبيًا.

إن الإصرار على تجاهل هذه الحقائق، والاستمرار في طرح صيغ لم تعد قابلة للحياة، لا يؤدي إلا إلى تعميق الأزمة. فالتاريخ السياسي للشعوب يُثبت أن الإرادة الجمعية، حين تتبلور، لا يمكن كسرها أو تجاوزها بسهولة، وأن أي حلول لا تنطلق منها مصيرها الفشل.

إن الجنوب اليوم لا يكتفي برفض خطاب أو موقف، بل يعبّر عن رؤية متكاملة لمستقبله، قائمة على استعادة قراره السياسي وبناء كيانه وفق ما يراه مناسبًا له. وأي مقاربة لا تأخذ هذا التحول بعين الاعتبار، ستظل تدور في حلقة مفرغة، بعيدًا عن تحقيق أي اختراق حقيقي في مسار الأزمة.