​لم يعد بقاء اليمن تحت طائلة الفصل السابع من ميثاق الأمم المتحدة مجرد إجراء قانوني مرتبط بمرحلة اضطراب عابرة، بل أصبح تعبيرًا عميقًا عن غياب السيادة الوطنية وتفكك القرار السياسي، حيث تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة لتقاطع المصالح الإقليمية والدولية. وفي ظل هذا الواقع، فإن أي حديث جاد عن إخراج اليمن من هذا الإطار لا يمكن أن يتم بمعزل عن معالجة جذور الأزمة، وفي مقدمتها إعادة تعريف شكل الدولة، وإنهاء التدخلات الخارجية، والاعتراف بالحقوق السياسية التاريخية للشعوب داخل هذا الفضاء الجغرافي.

إن جوهر الإشكالية لا يكمن فقط في الحرب، بل في طبيعة العلاقة المختلة التي نشأت منذ عام 1990، والتي أفضت لاحقًا إلى انهيار فعلي لفكرة الشراكة بين الشمال والجنوب. فالوحدة التي قامت لم تُبنَ على أسس دستورية عادلة، بل تحولت مع الوقت إلى إطار هيمنة أفرغ الجنوب من مؤسساته وخصوصيته السياسية، وهو ما يجعل العودة إلى ما قبل تلك المرحلة خيارًا مشروعًا من منظور القانون الدولي، خاصة في ظل تعذر استمرار الدولة بشكلها الحالي.

ومن هنا، فإن الخروج من الفصل السابع يجب أن يرتبط بإعادة بناء الواقع السياسي على أسس جديدة، يكون في مقدمتها تمكين الجنوب من استعادة دولته على حدود ما قبل عام 1990، باعتبار ذلك ليس مجرد مطلب سياسي، بل حقًا يستند إلى واقع تاريخي وقانوني قائم. غير أن استعادة الدولة الجنوبية لا تعني بالضرورة إعادة إنتاج نموذج مركزي تقليدي، بل تفتح المجال لبناء دولة جنوبية فيدرالية حديثة، تُدار فيها الأقاليم ضمن إطار وطني جامع، يحقق التوازن بين الوحدة الداخلية والتنوع الجغرافي والسياسي.

إن هذا التصور، القائم على دولة فيدرالية جنوبية مستقلة، يختلف جذريًا عن الطرح الذي يحاول إعادة صياغة الفيدرالية كحل بين الشمال والجنوب، وهو طرح يتجاهل حقيقة الانفصال الواقعي الذي فرضته سنوات الصراع. فالفيدرالية، في هذا السياق، ينبغي أن تكون أداة لتنظيم البيت الجنوبي الداخلي، لا وسيلة لإعادة إنتاج وحدة فشلت شروطها. وعليه، فإن بناء دولة جنوبية فيدرالية يمثل خيارًا واقعيًا يجمع بين استعادة السيادة وبين تجنب المركزية التي أثبتت فشلها.

وفي موازاة ذلك، يظل تحييد الإقليم شرطًا أساسيًا لنجاح أي مسار سياسي. فاستمرار التدخلات الخارجية، سواء بشكل مباشر أو عبر أدوات محلية، يعني بقاء اليمن عمومًا في دائرة عدم الاستقرار، ويحول دون أي إمكانية حقيقية للخروج من الفصل السابع. إن رفع يد الإقليم عن الشأن الداخلي، وفق تفاهمات واضحة وضمانات دولية، لا يمثل مطلبًا سياسيًا فحسب، بل ضرورة قانونية لإعادة الاعتبار لمفهوم السيادة، وتمكين الشعوب من تقرير مصيرها بعيدًا عن الإملاءات.

كما أن المجتمع الدولي، الذي أبقى اليمن تحت هذا الفصل لاعتبارات تتعلق بالسلم والأمن، لن يكون مستعدًا لرفع هذه الإجراءات ما لم يرَ تحولًا حقيقيًا على الأرض، يتمثل في وجود كيانات سياسية مستقرة، قادرة على إدارة شؤونها، وضبط أمنها، واحترام التزاماتها الدولية. وفي هذا الإطار، فإن قيام دولة جنوبية واضحة المعالم، بنظام فيدرالي داخلي، قد يشكل عامل استقرار لا عنصر توتر، إذا ما حظي باعتراف إقليمي ودولي، وجاء نتيجة عملية سياسية سلمية منظمة.

إن الخروج من الفصل السابع، إذًا، لا ينبغي أن يُفهم كغاية مستقلة، بل كنتيجة لمسار يعيد تشكيل الواقع السياسي برمته. مسار يبدأ بإنهاء حالة الارتهان الخارجي، ويمر عبر الاعتراف بالحق الجنوبي في استعادة دولته، ويتوج ببناء نموذج دولة حديثة في الجنوب، قائمة على الفيدرالية الداخلية، وسيادة القانون، والشراكة العادلة بين مكوناتها.

وعند تحقق هذه الشروط، يصبح رفع اليمن من الفصل السابع خطوة منطقية تعكس واقعًا جديدًا، لا مجرد قرار دولي منفصل عن الأرض. واقع تُستعاد فيه السيادة، ويُعاد فيه تعريف الاستقرار على أنه نتاج إرادة داخلية حرة، لا توازنات مفروضة من الخارج، وتُفتح فيه صفحة جديدة يكون عنوانها الأبرز: دولة جنوبية فيدرالية مستقلة، قادرة على إدارة نفسها، والتفاعل مع محيطها بندية، بعيدًا عن الوصاية والتدخل الخارجي وبالذات الإقليمي الذي اصبح عبء على مسار السلام  في اليمن والجنوب العربي 

رئيس تجمع إتحاد الجنوب العربي South Arabian Federation Gathering