في عالم السياسة لا تُقاس الأمور بما يُقال على المنابر أو يُبث عبر الشاشات، بل بما يُطبخ في الغرف المغلقة، حيث تختفي الشعارات وتظهر المصالح المجردة. هناك، فقط، يمكن فهم كيف تتحول الخصومات المعلنة إلى أدوات، وكيف تتعايش الكراهية الظاهرية مع تنسيق عميق يخدم أهدافًا أكبر من الجميع.

لقد قرأ كثيرون لكتّاب ومفكرين غربيين تحدثوا بوضوح أو تلميح عن فكرة إعادة تشكيل الشرق الأوسط وفق رؤية تتجاوز حدود الدول الحالية، رؤية تقوم على تفكيك الكيانات التقليدية وإعادة تركيبها بطريقة تضمن توازنًا جديدًا يخدم مصالح القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة، وبما يتقاطع مع الأمن الاستراتيجي لإسرائيل. هذه ليست نظرية مؤامرة بقدر ما هي قراءة في مسار طويل من السياسات والتدخلات التي أثبتت أن الخرائط في منطقتنا لم تكن يومًا ثابتة أو مقدسة.

الأكثر إثارة للدهشة ليس الحديث عن اختلاف أمريكا وإيران، فهذا أمر ظاهر ومكرر، بل في فكرة أن هذا الاختلاف لا يمنع وجود نقاط التقاء ضمنية، خاصة عندما يتعلق الأمر بإدارة الفوضى أو توجيه مسارات الصراع. التاريخ الحديث مليء بأمثلة لخصوم يتقاطعون في لحظة ما، ليس حبًا ببعضهم، بل لأن النتيجة النهائية تخدم مصلحة مشتركة أو توازنًا معينًا. وهنا يكمن جوهر اللعبة السياسية: الصراع ليس دائمًا بهدف الحسم، بل أحيانًا بهدف إعادة التشكيل.

عندما ننظر إلى المنطقة اليوم، نرى بوضوح ملامح التفكك وإعادة التركيب. دول تتآكل من الداخل، وأخرى تعيد تعريف أدوارها، وحدود تتعرض لاختبارات قاسية، وهويات وطنية تُستنزف تحت ضغط الأزمات الاقتصادية والأمنية. في هذا السياق، يصبح الحديث عن “شرق أوسط جديد” ليس مجرد طرح فكري، بل احتمالًا واقعيًا يتشكل تدريجيًا.

أما فيما يتعلق باليمن، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيدًا ومرارة. بلد أنهكته الصراعات، وتراكمت عليه الأزمات حتى أصبح نموذجًا حيًا لكيف يمكن للخرائط السياسية أن تتحول إلى عبء بدل أن تكون إطارًا للاستقرار. منذ عقود واليمن يعيش حالة من عدم الاستقرار البنيوي، تتغير فيها التحالفات، وتتعدد مراكز القوة، ويغيب فيها المشروع الوطني الجامع.

في ظل هذا الواقع، يصبح الحديث عن إعادة تشكيل أو تقسيم أو حتى إعادة هيكلة الدولة أمرًا مطروحًا، سواء كان ذلك برغبة داخلية أو نتيجة ضغوط خارجية. البعض يرى في ذلك فرصة للخروج من دوامة الفشل، بينما يخشاه آخرون باعتباره مدخلًا لمزيد من التفكك والصراعات. الحقيقة أن كلا الاحتمالين قائم، ويتوقف المسار النهائي على قدرة القوى المحلية على امتلاك قرارها، وليس فقط على ما يُرسم لها من الخارج.

الخليج العربي أيضًا ليس بمنأى عن هذه التحولات. فمع تغير موازين القوى العالمية، وصعود أدوار جديدة، وتراجع أخرى، يصبح من الطبيعي أن يُعاد النظر في شكل التحالفات وربما حتى في شكل الكيانات السياسية نفسها. فكرة دمج دول أو ظهور كيانات جديدة لم تعد مستحيلة كما كانت في السابق، خاصة إذا كانت تخدم معادلة أمنية أو اقتصادية أوسع.

لكن السؤال الأهم الذي يجب طرحه ليس: هل هناك مخطط لإعادة تشكيل المنطقة؟ بل: لماذا نحن دائمًا قابلون لإعادة التشكيل؟ الإجابة المؤلمة تكمن في الداخل قبل الخارج. في ضعف الدولة، في غياب المشروع الوطني، في الانقسامات التي تجعل أي تدخل خارجي قادرًا على التأثير العميق.

السياسة قد تكون قذرة كما يُقال، لكنها في النهاية انعكاس لموازين القوة. ومن لا يمتلك قوته، سيبقى جزءًا من خرائط يرسمها الآخرون. الشرق الأوسط الجديد، إن كان قادمًا، لن يُبنى فقط بقرارات خارجية، بل أيضًا بعجز داخلي سمح بتآكل القديم دون القدرة على بناء بديل.

وفي خضم كل ذلك، يبقى الأمل معلقًا على وعي الشعوب، وعلى قدرتها في لحظة ما على كسر هذه الدائرة، والانتقال من موقع المتلقي إلى موقع الفاعل. لأن الخرائط، مهما تغيرت، لا تصنع الاستقرار إذا لم يكن هناك إنسان قادر على حمايتها، ودولة قادرة على احتضانها

* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن