> تقرير/ ​سماح جميل:

​أختتمت في العاصمة عدن، اليوم، أعمال الورشة الختامية لمشروع اقتصاد السلام في البيئة الاقتصادية والمؤسسية للتعافي وإعادة الإعمار، والذي تنفذه مؤسسة وجود للأمن الإنساني بالشراكة مع منظمة مبادرة مسار السلام، وبالتعاون مع الرابطة الدولية للمرأة من أجل السلام والحرية (WILPF)، وبدعم تمويلي من السفارة الهولندية.

​وشهدت الورشة حضوراً واسعاً ومميزاً من الأكاديميين، وممثلي منظمات المجتمع المدني والخبراء الاقتصاديين والقانونيين وممثلين عن الجهات الحكومية، بهدف مناقشة الإصلاحات الهيكلية والمؤسسية اللازمة للانتقال من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام وتحقيق الاستدامة التنموية.

ألقت الأستاذة مها عوض رئيسة مؤسسة وجود للأمن الإنساني كلمة افتتحت فيها النقاش برؤية تحليلية عميقة حول أبعاد الأزمة الراهنة مشددة على أن مهددات الأمن الإنساني بأبعادها السبعة (السياسية، الاقتصادية، البيئية، الغذائية، الشخصية، الثقافية، والاجتماعية) باتت تتطلب إعادة قراءة واعية وإدماجاً حقيقياً في كافة مسارات العمل الإنساني، والتنموي، وبناء السلام.

​وحذرت عوض من أن تجاهل هذه المهددات وعدم معالجتها سيؤدي إلى تبعات كارثية تقوض أي فرص لتحقيق السلام والاستقرار، مما يهدد باستمرار دورات العنف وتعميق الفجوة في علاقة المواطن بالدولة والتزاماتها تجاه حقوق الإنسان والتنمية.

وأشارت رئيسة المؤسسة إلى الحرص الكبير الذي توليه "وجود" في تشجيع وبناء المبادرات المجتمعية التي تقودها النساء والشباب من الجنسين، مؤكدة أن المؤسسة حظيت برصيد وافر من المبادرات التي أصبحت اليوم أداة حقيقية لقياس مدى وعي المجتمع بالمهددات التي يتعايش معها يومياً.

وفي قراءتها للمشهد الراهن، أكدت عوض أن الملف الاقتصادي يمثل أولوية قصوى لا تقل أهمية عن الملف السياسي، ويجب أن يتصدر الخطاب وبرامج الإصلاحات. 

وانتقدت بشدة سوء إدارة هذا الملف من قبل الحكومة المعترف بها دولياً في المناطق الخاضعة لسيطرتها منذ عام 2016، رافضة التذرع بحالة الحرب للتنصل من المسؤولية. كما أشارت إلى أن الصراعات السياسية البينية داخل معسكر "الشرعية" أسهمت في غياب سلطة الاعتبار لمصلحة المواطنين، مما جعل تلك الأطراف مسؤولة مباشرة عن النتائج المتدهورة التي وصلنا إليها اليوم.

​"اليوم، أصبح الحرمان من الخدمات الأساسية مثل أزمة الكهرباء المستمرة لسنوات دون حلول جذريّة، سبباً في سقوط وفيات. إن الملف الاقتصادي تحول إلى وجه آخر للحرب التي يواجهها المواطن."

وكشفت عوض عن إطلاق المؤسسة مبكراً لتوصيات ودراسات حول اقتصاد الحرب رفعت لرئاسة الجمهورية والمجتمع الدولي، مستدركة بالقول: "يبدو أن هذه الحلول توضع في الأدراج لأن هناك من يستثمر في بقاء المشهد على ما هو عليه".

​كما وجهت انتقاداً لاذعاً للأمم المتحدة ومكتب المبعوث الأممي لليمن لعدم إعطاء اقتصاد السلام الأولوية كملف يدار عبر وساطة حقيقية تجنب البلاد الكوارث الاقتصادية. واعتبرت أن التدخلات الأممية الأخيرة شكلت عائقاً أمام بعض الحلول الاقتصادية، وخاصة المتعلقة بالبنك المركزي والقطاع المصرفي، مؤكدة أن النقاشات الدولية تحولت في كثير من الأحيان إلى مجرد جلسات استماع واستثمار في المعاناة، بدلاً من تقديم الدعم الفني الفاعل الذي يربط المسار الاقتصادي بالمسار السياسي بشكل متوازٍي.

وفي ختام كلمتها، أشادت الأستاذة مها عوض بالجهود الاستثنائية التي بذلها مستشار المشروع الدكتور سامي وفريق العمل بمؤسسة "وجود" لإنجاز ورقة السياسات الحالية خلال فترة وجيزة، معبرة عن شكرها لكل المشاركين والمشاركات الذين أثروا الورقة بآرائهم.

​ودعت عوض الحكومة إلى تبني هذه الورقة كخارطة طريق لتحديد الأولويات الوطنية في إطار التعافي الاقتصادي، وإعادة الإعمار، ووقف التراجع المخيف في مؤشرات التنمية، مؤكدة على أهمية صياغة شراكة حقيقية وواضحة المعالم بين الحكومة ومنظمات المجتمع المدني لمواجهة هذه التحديات بمسؤولية وشفافية..

وفي سياق متصل، قدمت الأخت مودة اقتدار المديرة التنفيذية لمؤسسة وجود للأمن الإنساني ومديرة المشروع، استعراضاً شاملاً لـمشروع وأوضحت مودة أن المفهوم الجوهري والرؤية المركزية للمشروع ترتكز على الانتقال الجندري من اقتصاد الحرب إلى اقتصاد السلام، مشيرة إلى أن هذا الانتقال يتحقق من خلال أربعة مسارات رئيسية منها ​معالجة الفجوات العميقة في البيئة المؤسسية و​دمج وتضمين احتياجات النساء في خطط الأعمال الاقتصادية و​بناء سياسات تعافٍ مستجابة ومراعية للنوع الاجتماعي ​ودعم الشفافية والعدالة الاقتصادية في المراحل الانتقالية.

واستعرضت مديرة المشروع خارطة الأنشطة التي مر بها المشروع وصولاً إلى المحطة الختامية، والتي تضمنت
​المرحلة الأولى منها تنظيم ورشة عمل بؤرية حول اقتصاد السلام وأولويات التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار. و​المرحلة الثانية إعداد مسودة ورقة السياسات العامة حول اقتصاد السلام في البيئة الاقتصادية والمؤسسية للتعافي.

و​المرحلة الثالثة عقد جلسات بؤرية تخصصية شملت جلسة حول أولويات السياسات العامة الاقتصادية للتعافي، وجلسة خاصة حول دور المرأة في التعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار، إلى جانب لقاءات فردية رسمية رفيعة المستوى شملت وزير الأشغال العامة والطرق، ووكيل الوزارة، ومدير المكتب الفني بوزارة التخطيط والتعاون الدولي. والمرحلة الأخيرة الورشة الختامية (المنعقدة اليوم) والمخصصة لمناقشة إغناء وإطلاق ورقة السياسات العامة بشكل رسمي.

وفي لغة الأرقام، بينت مودة أن إعداد ورقة السياسات حظي بمشاركة واسعة وشاملة شملت 59 مشاركاً ومشاركتة (28 من الذكور و31 من الإناث) يمثلون الوزارات ذات الصلة، المؤسسات الحكومية، منظمات المجتمع المدني، سيدات أعمال، ونساء متضررات من الحرب بالإضافة إلى خبراء اقتصاديين وأكاديميين، وصولاً إلى حضور نوعي في الورشة الختامية تجاوز 80 مشاركاً ومشاركة لتعزيز المخرجات. يستهدف المشروع محلياً محافظة عدن، كنطاق جغرافي للخروج بمخرجات استراتيجية عامة قابلة للتعميم على المستوى الوطني.

​واختتمت مديرة المشروع كلمتها بالإشارة إلى أن محاور ومكونات ورقة السياسات تركزت في ثلاثة مجالات استراتيجية هي (الإصلاح والتمكين المؤسسي، إدماج النوع الاجتماعي، والاستمرارية والاستدامة)، بهدف دراسة ثغرات الأجهزة الرقابية ورفع مستوى حوكمة المال، وتضمين معايير ملموسة لدعم ريادة الأعمال النسائية، وخلق قنوات شراكة حقيقية مع الفاعلين في المجتمع المحلي.

و​خلال الجلسة الرئيسية استعرضت ورقة عمل حركت المياه الراكدة وأثارت نقاشاً عميقاً، قدم الدكتور سامي محمد قاسم نعمان قراءة نقدية مغايرة للمفاهيم التقليدية حول تراتب السلام وإعادة الإعمار وذلك خلال الورشة الختامية لمشروع اقتصاد السلام في البيئة الاقتصادية والمؤسسية للتعافي وإعادة الإعمار.

​طرح الدكتور سامي في مستهل حديثه تساؤلاً جوهرياً يشغل أروقة صناع القرار: "هل يمكن البدء باقتصاد السلام الآن؟ أم يجب الانتظار حتى تتوقف الحرب تماماً؟"، مشيراً إلى أن النظرة القاصرة لبعض الجهات الدولية والمحلية، وعلى رأسها البنك الدولي، تشترط التوقف الكامل للعمليات العسكرية لبدء برامج إعادة الإعمار، وهو ما نقله عن وكيل وزارة الأشغال العامة لقطاع الإسكان، الدكتور علي أحمد، مؤكداً أن هذا الاشتراط يعوق أي خطوة نحو الاستقرار و​تجارب دولية تكسر جمود الاشتراطات، واستعرض الدكتور سامي تجارب أربع دول في المنطقة والعالم شهدت صراعات، وقسمها إلى مسارين ​المسار الأول (اشتراط التوقف) وتمثل في حالتي العراق (بعد 2003) ورواندا، حيث لم تبدأ برامج إعادة الإعمار إلا بعد وضع الحرب أوزارها بشكل كامل.و​المسار الثاني (إعادة الإعمار أثناء الصراع) وتمثل في فلسطين (قطاع غزة تحديداً) والصومال، حيث لم يشترط انتهاء الحرب بل "توقف الأعمال القتالية"، لافتاً إلى أن الصومال اليوم تجاوز مرحلة إعادة الإعمار ودخل في برامج التنمية المستدامة رغم استمرار بعض جيوب الصراع.​

ودافع الدكتور سامي بقوة عن هذا المسار الثاني، معتبراً أن الأزمة في اليمن تقترب من عامها الثاني عشر كأطول حرب مستمرة، والانتظار حتى نهايتها الكاملة يعد ضرباً من العبث بمصائر المواطنين الذين باتوا يموتون في شوارع عدن بسبب تدهور الخدمات وانقطاع الكهرباء وارتفاع درجات الحرارة.

فيما فجر الدكتور سامي مفاجأة أكاديمية حول فلسفة اقتصاد السلام التي تبناها في ورقته بناء على أبحاث اقتصادية حديثة، موضحاً ​"إن اقتصاد السلام لا يعني انتظار توقف المدافع، بل يعني صياغة سياسات تمكن المستفيدين من (اقتصاد الحرب) من تحويل مصالحهم والاستفادة من (اقتصاد السلام). وقال إذا لم ننجح الآن في تحويل اقتصاد الحرب إلى اقتصاد سلام، فلن تتوقف الحرب أبداً، لأن المستفيدين منها سيستمرون في عرقلة أي تقارب لضمان بقاء مصالحهم الضخمة."

ولم يخل حديث الدكتور سامي من المكاشفة والمصارحة، حيث انتقد بشدة أداء بعض المنظمات الدولية وآليات تفعيل المنح، مستشهداً بمشروع منظمة "هابيتات" الممول بـ 2.5 مليون دولار، حيث كشف أن 1.8 مليون فقط ذهبت للإعمار، بينما تم تخصيص نصف مليون دولار (20%) كنفقات تشغيلية للمنظمة، و200 ألف دولار لأربع دورات تدريبية أقيمت محلياً بجامعة عدن، وهو رقم يعادل ميزانية كلية جامعية لسنوات.

وأكد د. سامي أن النفقات التشغيلية للمنظمات الدولية في اليمن أصبحت تلتهم جزءاً كبيراً من المساعدات (تتراوح بين 33% وتصل أحياناً إلى 60% وفق شهادات قيادات في وزارة التخطيط)، مما يفسر مصلحة بعض هذه المنظمات في إطالة أمد الأزمة، كاشفاً عن رصده لمنظمات دولية لا توجد ولا تعمل إلا في اليمن، ويتحرك موظفوها من مناطق صراع لأخرى (مثل الانتقال من سوريا إلى اليمن) لاكتساب الخبرات في إدارة الأزمات دون تقديم حلول حقيقية للاستقرار.

ورغم النقد، حملت ورقة الدكتور سامي نبرة تفاؤلية، حيث أشاد بالخطوات الأخيرة لوزارة التخطيط والتعاون الدولي وتوجهات قيادتها الحالية، بالإعلان عن خطة التعافي الاقتصادي (2027-2029). وأشار إلى أن الوزارة بدأت تضع آليات تدريجية تلزم المنظمات الدولية بعدم تنفيذ أي مشاريع إلا بالتنسيق الكامل ووفقاً لأولويات خطة التعافي الحكومية، مما يمثل بداية حقيقية لفرض السيادة الاقتصادية.

واختتم الدكتور سامي عرضه بتقديم قراءة في البيئة الاقتصادية والمؤسسية، موضحاً أن الصراع تحول من طابعه العسكري والسياسي إلى صراع اقتصادي ومؤسسي حاد أدى إلى انقسام مالي وتراجع حاد في الناتج المحلي الإجمالي، وتدهور العملة والقدرة الشرائية.

​لكنه حذر بشدة من فوضى البيانات والأرقام الرسمية والدولية في اليمن، معتبراً إياها كارثة بحد ذاتها تعوق أي تخطيط مستقبلي مستعرضاً تضارباً صارخاً في الأرقام منها حول ​الناتج المحلي حيث قدّر في بعض التقارير الرسمية بـ 10 مليارات دولار، بينما أعاده الصندوق العربي إلى 19 ملياراً، في حين يرصد البنك المركزي أرقاماً متناقضة بفارق ملياري دولار في نفس التقرير بين صفحة وأخرى.و​قال حول معدلات البطالة  ان تقديرات الحكومة تشير إلى 19%، بينما تؤكد تقارير المنظمات الدولية أنها 70%، وتصل في دراسات نقابات العمال إلى 80%.
وقال ان الكارثة الأكبر تكمن في جهل العدد الحقيقي للسكان، حيث يقدره البنك الدولي بـ 42 مليون نسمة، في حين توقفه البيانات الحكومية عند 34 مليوناً، ما يعني وجود فارق ضخم يصل إلى 8 ملايين مواطن ضائع بين التقارير.

ودعا الدكتور سامي في نهاية ورشته إلى ضرورة توحيد وتصحيح الوعاء الإحصائي في البلاد، كخطوة أولى وأساسية لبناءاقتصاد السلام وبدء عجلة التعافي الاقتصادي الحقيقي المبني على أسس علمية وواقعية لا على تقديرات عشوائية ومتبادلة بين الحكومة والمنظمات.

وبعدها ​شهدت الورشة نقاشات حيوية ومستفيضة من قِبل المشاركين، اتسمت بالشفافية والعمق في تشخيص الأزمات البنيوية للدولة وتمحورت المداخلات حول عدة ركائز أساسية:
​١- مفهوم مؤسسات السلام واقتصاد الصمود: جادل مشاركون بأن بناء اقتصاد السلام يمر حتماً عبر تفكيك أوعية اقتصاد الحرب أولاً، وتأسيس مؤسسات السلام وهي المؤسسات التي تلتزم باللوائح والنظم ولا تتداخل صلاحياتها مع غيرها. كما تم التركيز على دعم اقتصاد الصمود عبر تمويل الأنشطة الإنتاجية المحلية (الزراعة، والأسماك، والمشاريع الصغيرة) لتقليل كلفة البطالة وإدارة الأزمة لصالح المواطن.

​٢- الارتهان للتمويل الخارجي وشلل الهيئات: انتقد المشاركون بشدة اعتماد بعض الهيئات السيادية والرقابية (كالهيئة العليا لمكافحة الفساد) على المنح الخارجية المشروطة لعقد اجتماعاتها وصياغة استراتيجياتها الوطنية، ممثلين بجمود بعض اللجان الوطنية لسنوات بحجة "غياب التمويل الدولي"، في حين ينبغي تفعيل الموارد المحلية المتاحة للبدء الفوري بالعمل. كما انتقد الحاضرون آلية المنظمات الوسيطة الدولية التي تستهلك جزءاً كبيراً من الميزانيات كنفقات تشغيلية دون أثر حقيقي مستدام.

٣- ​الإصلاح الإداري والمنظومة التشريعية: تباينت الآراء حول القوانين اليمنية بين من يراها ممتازة (كقانون السلطة المحلية) ولكن العيب يكمن في عدم الالتزام بالتطبيق، وبين من يراها بحاجة لتعديل سريع لمواكبة المتغيرات الحالية مثل تحديث السن القانونية للتوظيف والتقاعد، ورفع حصة ونسب توظيف ذوي الإعاقة الذين تزايدت أعدادهم بفعل الحرب.

٤- ​تضارب الصلاحيات وغياب المأسسة القانونية: تم استعراض تجارب ميدانية (من مأرب والمخا وحضرموت) ركزت على إشكالية سحب الصلاحيات المالية والإيرادية من المحافظات لصالح المركز مما يعيق تقديم الخدمات الأساسية ككهرباء والتعليم. وشدد على أن القرارات المؤقتة (مثل تخصيص نسبة 20% للتنمية للمحافظات النفطية) تظل مهددة بالإلغاء ما لم تقونن بتشريعات رسمية عبر مجلس النواب لضمان استدامتها مع تغير الحكومات.

وفيما يلي أبرز ما جاء في مداخلات المشاركين حول ورقة اقتصاد السلام حيث شهدت الورشة نقاشات مستفيضة ومداخلات قيمة من عدد من المسؤولين والخبراء الأكاديميين، الذين قدموا قراءة نقدية ومقترحات عملية لإثراء ورقة السياسات الخاصة بـ "اقتصاد السلام".

أكد الأستاذ وضاح عبد السلام (مدير عام التمويل بوزارة الإدارة المحلية) على أهمية نقل النقاش من إعادة الإعمارالقائم على بناء الحجر إلى "اقتصاد السلام" القائم على بناء المؤسسات. وأشار إلى ضرورة صياغة نموذج تشاركي يجعل القطاع الخاص شريكاً حقيقياً يقود الاستثمار والإنتاج ويخلق فرص العمل، وليس مجرد مستفيد. كما دعا إلى ضرورة توسيع الرؤية لاستيعاب "الاقتصاد غير الرسمي" الذي تعتمد عليه اليمن بشكل كبير وتفاقم بسبب الحرب، لضمان عدم هدر الإيرادات العامة.

من جانبها، طالبت الأستاذة أماني زيادة (باحثة اقتصادية واجتماعية بوزارة التخطيط) بتطوير ورقة السياسات إلى دراسة أوسع تشمل القطاعات الواعدة مثل الزراعة، السياحة، والمشروعات الصغيرة، مع التركيز على تمكين المرأة. وحذرت من خطورة تداخل الاختصاصات وبناء كيانات موازية تضعف مؤسسات الدولة الأساسية. كما دعت إلى الاستناد لتقييم الاحتياجات الديناميكية  والمسوحات القائمة لدى الجهاز المركزي للإحصاء بدلاً من تكرار الجهود.

واقترح الدكتور عبد القادر العرابي (الأمانة العامة لمجلس الوزراء) تحويل الورقة إلى رؤية وطنية شاملة لإعادة الإعمار يُشارك في صياغتها خبراء متعددون لتُقدّم جاهزة للحكومة والمانحين لضمان سرعة وتوجيه الدعم. وشدد العرابي على أهمية تحديد الأولويات في التوصيات (ملحة، عاجلة، هامة) وتحديد الوزارات المعنية بدقة لتسهيل إحالتها عبر مجلس الوزراء لجهات الاختصاص، مستعرضاً الدروس المستفادة من تجارب إعادة الإعمار العربية السابقة.

بدورها، ركزت الأستاذة عائشة غانم (ممثلة وزارة الخدمة المدنية والتأمينات) على الجانب الإداري والإنساني، مؤكدة أن الموارد البشرية المؤهلة هي ركيزة الإصلاح المؤسسي. وطالبت بتحديث تشريعات الخدمة المدنية (سن التوظيف والتقاعد)، ورفع نسبة استيعاب ذوي الإعاقة الذين تزايدت أعدادهم بسبب الحرب. واستعرضت آثار دمار البنية التحتية من مدارس ومستشفيات، مطالبة الدولة بالاعتماد على مواردها المحلية السيادية (البحرية، الزراعية، والمعدنية) لتمويل الخدمات الأساسية بدلاً من انتظار المانحين.

فيما اكدت أ. نجلاء (صندوق الرعاية الاجتماعية) أن اقتصاد السلام وإعادة التعافي يجب أن يبدأ بإعادة بناء الإنسان وتأهيله وتلبية احتياجاته قبل البدء في إعادة إعمار المباني، لا سيما للفئات الأشد فقراً واحتياجاً (كالمطلقات، الأرامل، العاطلين، والمعاقين).

انتقدت مقترح الورقة بإنشاء صناديق جديدة، وطالبت بدلاً من ذلك بإعادة تفعيل ودعم الصناديق والمؤسسات الحالية المتردية والمعطلة بفعل الحرب (مثل: صندوق رعاية المعاقين، صندوق الرعاية الاجتماعية، الصندوق الاجتماعي للتنمية، مشروع الأسر المنتجة، والصناديق السمكية والزراعية).

ودعت إلى تضمين حقوق الموظفين الرسميين (كالتعويضات والتأمين الصحي والتقاعدي) وضمان توفير تأمينات وحماية قانونية للعمالة غير الرسمية (مثل عمال البناء والصيد) ضد مخاطر العمل.

أوضحت أن الصندوق كان يغطي 1.5 مليون أسرة بتمويل حكومي كامل حتى 2014، ثم تحول إلى مشروع طارئ ومؤقت عبر البنك الدولي واليونيسف ليغطي 9 ملايين نسمة، ولكنه توقف تماماً في (يناير 2025) لعدم وجود بدائل حكومية نتيجة انقسام الصندوق الاجتماعي للتنمية، مما قلّص الدعم الحالي لمشاريع سبل عيش محدودة جداً.

وانتقدت غياب البيانات الدقيقة وقصورها في الورقة  مشددة على أنه لا يمكن تحقيق أي تعافٍ اقتصادي دون بيانات حديثة، وطالبت بدعم المركز الوطني للمعلومات وتفعيل السجل الموحد (النافذة الواحدة).

بيّنت أن التدخلات الدولية (مثل شركة أيبكس الوسيطة) اعتمدت على كشوفات عام 2014 القديمة، وكان فحصها يقتصر على التحقق من وجود الشخص وليس استحقاقه الفعلي، مما حرم فئات جديدة مهولة أنتجتها الحرب من الدعم المباشر.

الدكتور مهندس علي أحمد حسن، وكيل وزارة الأشغال العامة والطرق أكد أن فريق وزارة الأشغال قام بإعداد دراسة وتقارير متكاملة لمتابعة مؤشرات الخطة الحضرية والاستراتيجية العربية للإسكان والتنمية المستدامة (2019-2024)، بالاعتماد بشكل رئيسي على بيانات البنك الدولي والأمم المتحدة لعدم توفر بيانات كافية من جهات محلية. ودعا في هذا الصدد إلى تفعيل "المركز الوطني للمعلومات والبيانات" وإشراف الحكومة عليه لتوحيد البيانات وجعلها متاحة للجميع، موضحاً أن الوزارة تمتلك تقارير تفصيلية (مثل تقرير مؤشرات من 178 صفحة) لكنها غير متاحة للعامة ويصعب الوصول إليها
أشار إلى أن البيانات الحالية المتعلقة بإعادة الإعمار تعد قديمة (يعود بعضها إلى 6 أو 10 سنوات وتفتقر للتحديث). ونظراً لعدم قدرة الحكومة والوزارة على تمويل عملية تحديثها، اقترح أن تتبنى مؤسسة وجود للأمن الإنساني تقديم طلبات للمانحين لتمويل مشروع تحديث هذه البيانات.

شدد على الحاجة الماسة لتحديث وتطوير القوانين والتشريعات المحلية لتتناسب مع متطلبات مرحلة إعادة الإعمار (التي تأتي بعد إحلال السلام ووفق المواصفات الدولية). ونوّه إلى أن القوانين الحالية لا توفر الحماية الكافية للاستثمارات، مما أدى إلى هجرة رؤوس الأموال الأجنبية والمحلية، مؤكداً على ضرورة صياغة تشريعات جاذبة تضمن حماية رأس المال وتشجع المستثمرين على العودة.

طالب بتفعيل الرقابة والإشراف الحكومي على آلية عمل المنظمات الدولية ومصارف التمويل. وانتقد سياسة بعض المنظمات في صرف مبالغ مالية ضخمة كبدلات إيجار ومساعدات مؤقتة للنازحين (والتي قد تصل لـ 18 ألف ريال سعودي للمواطن خلال 18 شهراً)، مقترحاً بدلاً من ذلك توجيه هذه الأموال مباشرة لإعادة تأهيل وترميم منازل النازحين المتضررة وتوفير الخدمات الأساسية فيها، منعاً لهدر الأموال وتحقيقاً لاستقرارهم السكني.

استعرض الأولويات الخمس الرئيسية التي وضعتها الحكومة للمرحلة القادمة لتحقيق التنمية المستدامة وتعزيز الصمود الاقتصادي، وهي:
استعادة الدولة وتحقيق السلام المستدام.
ومكافحة الفساد وتعزيز الشفافية والمساءلة.
وتحقيق الإصلاح المالي والإداري.
وتطوير الموارد الاقتصادية.

وتعظيم الاستفادة من المساعدات والمنح الخارجية وتوجيهها وفقاً لاحتياجات الحكومة.

المهندسة سبأ عمر باوزير من ديوان الهيئة العامة لحماية البيئة، أخصائية في إدارة المخلفات الإلكترونية
تحدثت عن أهمية ربط التعافي البيئي بآثار وعواقب التغيرات المناخية وما يحدث من تدمير للنظام البيئي.

وأشارت إلى أن مسألة التعافي توفر فرص عمل للناس في جمع النفايات، ولكن يجب أن تكون البيئة التي يجمعون منها سليمة وآمنة حتى لا يتعرضوا للمخاطر.

وأكدت بحسم أنه لم يتم العمل بملف البيئة ضمن ملفات التعافي أو إعادة الإعمار، وأن ما تم وضعه في إعادة الإعمار مجرد تدخلات سطحية (مثل الردم وتغيير الشكل) دون النظر في تصحيح وإصلاح بيئي حقيقي للمخلفات المتراكمة في الشوارع.
وأوضحت أن ملف البيئة والتغيرات المناخية والكوارث هو "الملف المنسي والمتجاهل" رغم ارتباطه الوثيق بالتعافي المبكر.

ضمت صوتها للمطالبة بالتركيز على هذا الملف وتوفير الكفاءات المتخصصة والفنية للعمل عليه، لمساعدة الحكومة في وضع أولويات التعافي الوطني ورسم الخطط.

وأشارت إلى ما ذكره الدكتور سامي في التقرير حول التحديات التي واجهت وزارة التخطيط، حيث تتخذ بعض الهيئات أو الوزارات قرارات دون الرجوع للأطراف الأخرى.

وضربت مثلاً بإدارة المخلفات التي تتطلب تشارك (صندوق النظافة ومؤسسات متعددة)، ودعت إلى العمل معاً بمرونة بدلاً من عقلية العمل المنفرد واعتبار الشريك عدواً.

 وطالبت بتفعيل الهدف 17 بطريقة حقيقية والملموسة وليس مجرد كلام وتطرقت إلى موضوع قاعدة البيانات  والفجوات فيها، وذكرت أنه في عام 2023 عند بدء عملها في الديوان العام للهيئة العامة لحماية البيئة، ركزت على إنشاء قاعدة بيانات لمعرفة مشكلات اليمن البيئية وكيفية مخاطبة الجهات المانحة بناءً على أدلة وبيانات دقيقة ،وأكدت أن المنظمات الدولية والأمم المتحدة تقدم دعماً ضخماً جداً للمواضيع البيئية، ولكنها تحتاج إلى جهات محلية جاهزة تحدد لها بدقة ما تحتاجه. وانتقدت عدم قدرة بعض المسؤولين على الإجابة عن حجم المخلفات المتولدة عن النزاع عند سؤالهم من قبل المنظمات، ودعت لإعطاء الفرصة للمتخصصين.
  • التوصيات الختامية للورشة
​خرجت الورشة الختامية بحزمة من التوصيات والمقترحات الإجرائية التي أثرت مصفوفة المشروع وتمثلت في:
١- ​ إدراج منظمات المجتمع المدني كأطراف رئيسية مسؤولة عن الرقابة والتقييم ضمن مصفوفة التوصيات لضمان الشفافية ومكافحة الفساد.

٢-  اعتماد النهج الثلاثي (الإغاثة، التنمية، والسلام) في خطط التعافي، وتوسيع عملية تحديث البيانات لتشمل السلطات المحلية بالمحافظات لرصد الأضرار الميدانية بدقة، وعدم حصرها في المركز.

​٣- التوصية بإنشاء دوائر للأرشفة الرقمية والإحصاء في كافة الوزارات والمرافق الحكومية، واعتبار الكفاءة البشرية الركيزة الأساسية لأي إصلاح إداري.

٤-  الإلغاء الفوري للتعيينات والوظائف المستحدثة خارج الهياكل التنظيمية الرسمية للمؤسسات (مدنياً، وعسكرياً، وأمنياً)، والتصدي لتشريع القوانين "المفصلة" لخدمة مراكز النفوذ.

​٥- حث السلطات المحلية على تفعيل واستغلال كافة الأوعية الإيرادية المحلية المتاحة في قانون السلطة المحلية، وعدم الاعتماد الكلي على الإيرادات السيادية أو انتظار دعم المانحين ودول الجوار كحل مستدام لتشغيل قطاعي التعليم والصحة وتحسين سبل عيش المواطنين.