في معظم أنحاء العالم، لا يُنظر إلى التطوع بوصفه بديلًا عن دور الدولة، بل دليلًا على وعي المجتمع وحيويته. لذلك تحرص الدول على تشجيعه، وتوثيق ساعات العمل التطوعي للأفراد، ومنح المشاركين فيه مزايا تُحتسب في الدراسة والتوظيف؛ إيمانًا بأن بناء الأوطان مسؤولية مشتركة.

ولم تكن هذه الثقافة غريبة عن مجتمعنا في الجنوب. ففي المدن، كانت حملات التوعية تدعو إلى المحافظة على النظافة، وحماية الممتلكات العامة، وتعزيز التعاون بين الجيران. وفي المدارس، كنا نشارك في تنظيف الساحات، وغرس الأشجار، وترتيب الفصول، ونعدُّ ذلك جزءًا من انتمائنا لمدرستنا.

ولا ننسى حملة محو الأمية في ثمانينيات القرن الماضي، حين تطوع مئات المعلمين والموظفين لتعليم الكبار بعد ساعات الدوام الرسمي. كانت تجربةً جسدت معنى المسؤولية المجتمعية، وأثبتت أن التطوع يصنع أثرًا كبيرًا عندما تتوافر الإرادة.

أما في الريف، فما زلت أتذكر كيف كان أحد كبار السن أو الشباب يحمل مكبر صوت صغيرًا يعمل ببطاريات الراديو، ويجوب القرى مناديًا: «غدًا صباحًا مبادرة لإصلاح الطريق»، أو «مبادرة لتنظيف منابع المياه وآبارها»، أو «مبادرة لصيانة المدرسة». لم يكن أحد يسأل: من سيدفع؟ أو من المسؤول؟ بل كان الجميع يدرك أن ما يبدأ بنداء بسيط ينتهي بإنجاز يصنعه الجميع.

يحق لنا أن نتساءل: أين ذهبت تلك الروح؟

نحن بحاجة اليوم إلى التطوع أكثر من أي وقت مضى. فقد تغيرت الظروف، وازدادت الأعباء، وأضعفت الصراعات والحروب قدرة المؤسسات على تقديم الخدمات الأساسية، فاتسعت دائرة المعاناة. وفي هذا الظرف الاستثنائي، أصبح التطوع والتعاون ضرورةً ملحةً للتخفيف من آثار الأزمة، والحد من تدهور الأوضاع.

ولتحقيق ذلك، فليس المطلوب أن يقدم الجميع المال، بل أن يقدم كل شخص ما يستطيع؛ ساعةً من وقته، أو خبرةً، أو فكرةً، أو مشاركةً في مبادرة تخدم الحي، أو المدرسة، أو المستشفى، أو أي مرفق عام. فالأعمال الكبيرة تبدأ دائمًا بخطوات صغيرة.

لقد كان آباؤنا وأجدادنا يشقون الطرق، ويحفرون الآبار، ويبنون المدارس بتكاتفهم، رغم قلة الإمكانات. أما نحن، فأصبحت بين أيدينا وسائل اتصال وتقنيات لم تكن متاحة لهم، يمكن توظيفها في نشر ثقافة التطوع، والتوعية بأهميته، وتحفيز الناس على المشاركة، بدلًا من استنزافها في الخلافات والمهاترات، وإضاعة الوقت فيما لا ينفع.

فالتطوع ليس تنظيف شارع أو غرس شجرة فحسب، بل هو ثقافة ومسؤولية. وهو أن ترى مشكلةً فتسأل: ماذا أستطيع أن أقدم؟ بدلًا من الاكتفاء بالشكوى وانتظار الآخرين.

قد لا نستطيع حل جميع مشكلاتنا، لكننا نستطيع أن نعيد إحياء قيمة عظيمة كادت أن تغيب؛ قيمة التعاون. ففي زمن تتسع فيه الاحتياجات، وتتراجع فيه الإمكانات، يصبح التطوع أحد أهم جسور التكافل التي تحفظ تماسك المجتمع، وتخفف من معاناة الناس.