​الخروج من عنق الزجاجة الذي يعيشه الجنوب العربي اليوم لم يعد ترفًا فكريًا ولا خيارًا مؤجلًا، بل ضرورة وجودية تفرضها لحظة تاريخية فارقة، تتكاثف فيها الأزمات وتتسارع فيها التحولات. فالمشهد لم يعد يحتمل المراوحة، ولا تكرار الخطاب ذاته الذي استُهلك دون أن يغيّر من الواقع شيئًا. الحقيقة التي يجب أن تُقال بوضوح هي أن الجنوب عالق بين أخطاء الداخل وضغوط الخارج، وأن كسر هذا القيد يبدأ من الداخل قبل أي شيء آخر.

لقد أثبتت التجارب أن أخطر ما يواجه أي قضية عادلة ليس خصومها فقط، بل أولئك الذين يتحدثون باسمها وهم يفرغونها من مضمونها. فحين تتحول القضية إلى وسيلة للنفوذ، أو منصة للمصالح الشخصية، فإنها تفقد روحها تدريجيًا، وتتحول من مشروع تحرري إلى عبء على أصحابها. ومن هنا، فإن أول معركة حقيقية يجب أن تُخاض هي معركة الوعي، لتصحيح المفاهيم، وإعادة الاعتبار للقيم الوطنية التي تضع مصلحة الجنوب فوق كل اعتبار.

إن الجنوب لا يحتاج إلى مزيد من الشعارات بقدر ما يحتاج إلى مشروع سياسي واضح المعالم، مشروع يُعرّف الهدف بدقة، ويحدد الوسائل بواقعية، ويرسم الطريق دون أوهام. فالتخبط في الرؤى، وتعدد المشاريع المتناقضة، لا يؤدي إلا إلى إضعاف الموقف العام، وإرباك الشارع، ومنح الفرصة للقوى الأخرى لملء الفراغ. إن وضوح الهدف هو نصف الطريق نحو تحقيقه.

وفي قلب هذه المعادلة تقف إشكالية الانقسام الجنوبي، التي تحولت من حالة اختلاف طبيعي إلى حالة استنزاف مزمن. فالخلاف حين يخرج عن إطاره الصحي يتحول إلى صراع نفوذ، والصراع يفتح الباب أمام التدخلات، وحينها يفقد القرار استقلاله. إن التحدي الحقيقي ليس في إنهاء الاختلاف، فهذا أمر غير واقعي، بل في إدارة هذا الاختلاف ضمن إطار وطني صارم يمنع تحوله إلى أداة هدم. فالتاريخ لا يرحم الشعوب التي تنشغل بصراعاتها الداخلية بينما تضيع قضاياها الكبرى.

وهنا لا بد من استحضار دروس التاريخ بوعي ومسؤولية، فالمراحل المفصلية التي مر بها الجنوب، من 1967 إلى 1978 إلى 1986 وصولًا إلى 1990 ثم حرب 1994، ليست مجرد تواريخ عابرة، بل محطات تحمل في طياتها أخطاء قاسية دفعت الأجيال ثمنها. إن استدعاء هذه المحطات لا يجب أن يكون للبكاء على الماضي، بل لمنع تكراره. لا نرغب في إعادة إنتاج تلك الأخطاء، ولا في السقوط مجددًا في دوامة الصراعات التي مزّقت الصف وأضعفت القضية. إن الوعي بالتاريخ هو صمام الأمان للمستقبل، ومن لا يتعلم من أخطائه محكوم عليه أن يعيشها مرة أخرى.

ولا يمكن الحديث عن الخلاص دون التوقف أمام ملف الفساد، الذي لم يعد مجرد ظاهرة، بل أصبح منظومة متكاملة تنخر في جسد الواقع. الفساد هنا ليس فقط في المال، بل في القرار، وفي الموقف، وفي الارتهان للخارج. العمالة فساد، والخيانة فساد، والتآمر فساد، والطمع في السلطة أو الأرض فساد، وكلها وجوه متعددة لمرض واحد يعيق أي نهوض حقيقي. إن مواجهة هذا الواقع تتطلب شجاعة استثنائية، تبدأ بمحاسبة حقيقية لا تستثني أحدًا، وتضع الجميع تحت سقف القانون.

كما أن البعد الاقتصادي يظل حجر الزاوية في أي مشروع إنقاذ. فلا يمكن بناء استقرار سياسي على أرضية اقتصادية منهارة. المواطن الذي يعاني من انقطاع الخدمات، وارتفاع الأسعار، وغياب الأمل، لن يكون معنيًا بالشعارات الكبرى بقدر ما يبحث عن كرامته اليومية. ومن هنا، فإن أي قيادة لا تضع تحسين حياة الناس في صدارة أولوياتها، إنما تكتب فشلها بيدها.

أما على الصعيد الخارجي، فإن التعاطي مع الإقليم يجب أن ينتقل من منطق التبعية إلى منطق الشراكة. الجنوب ليس ساحة لتصفية الحسابات، ولا ورقة في يد أحد، بل كيان يجب أن يفرض نفسه من خلال رؤية متماسكة وموقف مستقل. الانفتاح مطلوب، لكن دون التفريط بالقرار الوطني، والتوازن ضرورة، لكن دون الوقوع في الارتهان.

وفي لحظة كهذه، يصبح السؤال الحقيقي: هل يمتلك الجنوب إرادة الخروج من عنق الزجاجة؟ لأن الإمكانيات موجودة، والتاريخ حاضر، والفرص لم تنعدم، لكن الإرادة هي الفاصل بين واقع يُعاد إنتاجه، ومستقبل يُصنع بإرادة أبنائه. إن الخروج لن يأتي عبر انتظار الحلول من الخارج، بل عبر قرار داخلي شجاع يعيد ترتيب البيت الجنوبي، ويغلق أبواب العبث، ويفتح الطريق أمام مشروع وطني حقيقي.

الجنوب اليوم أمام مفترق طرق لا يحتمل التأجيل، إما أن ينتصر لمنطقه الوطني الجامع، فيتجاوز أزماته ويصنع مستقبله، أو يظل أسير دوامة الصراعات، فتضيع الفرص كما ضاعت من قبل. والتاريخ، كما نعلم، لا يمنح الفرص مرتين لمن لا يحسن استغلالها

رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن