في لحظة فارقة من تاريخ الجنوب، برز موقف القبيلة الجنوبية ليس بوصفه تمردًا على الدولة أو خروجًا عن النظام والقانون، بل كصوتٍ عاقلٍ يعيد التوازن إلى معادلة اختلت بفعل التجاوزات وسوء التقدير. القبيلة، التي طالما كانت جزءًا أصيلًا من النسيج الاجتماعي والسياسي، لم ترفع السلاح، ولم تدعُ إلى الفوضى، بل اختارت أن تشهر موقفًا أخلاقيًا وقانونيًا يستند إلى منظومة القيم التي توارثتها عبر الأجيال، حيث العدل، وصون الدماء، واحترام الأحكام القضائية، تشكل ثوابت لا يمكن التنازل عنها.

إن هذا الموقف يعكس وعيًا عميقًا بدور القبيلة في حماية المجتمع لا تقويضه، فهي لم تكن يومًا كيانًا معزولًا عن الدولة، بل كانت في كثير من الأحيان صمام أمان حين تضعف مؤسساتها أو تنحرف عن مسارها الصحيح. ومن هنا، فإن تدخل القبيلة في هذه اللحظة لم يكن بدافع التحدي، بل بدافع تصحيح المسار، واستدعاء القانون من غيابه، وتذكير الجميع بأن العدالة ليست مجالًا للمساومات أو الحلول الترقيعية.

وفي صلب هذا المشهد، تبرز قضية خطيرة تمس جوهر العدالة ذاتها، حين يُطرح التعامل مع قتلة صدرت في حقهم أحكام بالإعدام بعد إدانتهم بقتل جنوبيين عُزّل في عدن وشبوة ولحج وغيرها من جغرافيا الجنوب، وكأنها أوراق قابلة للمساومة أو التبادل. إن تحويل مثل هذه الجرائم البشعة إلى أدوات سياسية أو حلول ظرفية يمثل انتهاكًا صارخًا للقانون، واعتداءً مباشرًا على حقوق الضحايا وذويهم، ويهدد بإسقاط هيبة القضاء في أعين المجتمع.

لقد أعلنت القبيلة بوضوح أن للوطن حاضنة عميقة الجذور، تضرب في عمق الأرض كما تضرب في عمق الوجدان الجمعي، وأن هذه الحاضنة لن تقف صامتة أمام أي محاولة للعبث بالقانون أو الالتفاف عليه. فالقضية ليست مجرد إجراء سياسي أو صفقة عابرة، بل تمس جوهر الاستقرار والاتزان في المجتمع، وتمتحن مدى الالتزام بالقيم الشرعية والإنسانية التي تشكل أساس الحكم الرشيد.

إن محاولة تجاوز أحكام القضاء، خصوصًا في قضايا الدم التي صدرت فيها أحكام نهائية، تحت ذرائع سياسية أو ضغوط ظرفية، تمثل سابقة خطيرة تهدد بنسف الثقة بين المجتمع والدولة. وهنا تتقدم القبيلة لتقول كلمتها: إن دماء الأبرياء الذين قُتلوا غدرًا لا يمكن أن تتحول إلى أوراق تفاوض، وإن العدالة لا تُجزأ، ولا تُخضع لمعادلات الربح والخسارة السياسية. وهذا الموقف لا يعبر عن تعنت، بل عن إدراك عميق بأن التفريط في العدالة هو بداية انهيار كل شيء.

وفي هذا السياق، تبرز القبيلة الجنوبية كفاعلٍ مدركٍ لمجمل الأبعاد السياسية والاقتصادية والاجتماعية والقانونية، فهي ليست كيانًا تقليديًا جامدًا، بل مؤسسة اجتماعية مرنة قادرة على قراءة الواقع والتفاعل معه. ومن هذا المنطلق، فإن رفضها لمثل هذه التجاوزات يأتي ضمن رؤية أوسع لمستقبل الجنوب، الذي يسعى إلى بناء دولة حديثة قائمة على النظام الفيدرالي، تمتد من سيحوت إلى باب المندب، وتحكمها مؤسسات قوية وقوانين عادلة.

الجنوب، في هذا التصور، ليس مجرد جغرافيا، بل كيان متكامل يشبه القبيلة الواحدة الممتدة من عدن إلى المهرة، حيث تتوحد القيم والمصالح والمصير. وأي محاولة لتجاوز هذه المنظومة القيمية ستواجه برفض جماعي، لأن المسألة لم تعد مرتبطة بحدث عابر، بل بمسار وطن بأكمله. وعلى من يحاول القفز فوق هذه الحقائق أن يدرك أنه أمام مجتمع واعٍ، يحسب خطواته، ويعرف متى يقول كلمته.

إن القبيلة، وهي تستدعي القانون، لا تلغي دور الدولة، بل تعززه، وتعيد توجيهه نحو مساره الصحيح. فهي تذكر بأن الشرعية الحقيقية لا تُستمد فقط من النصوص، بل من العدالة في التطبيق، ومن احترام حقوق الناس، ومن الالتزام بالمبادئ التي تحفظ كرامة المجتمع. ومن هنا، فإن هذا الموقف يشكل فرصة لإعادة بناء الثقة، وتصحيح الاختلالات، والانطلاق نحو مرحلة أكثر استقرارًا وعدلًا.

وفي المحصلة، فإن ما قامت به القبيلة الجنوبية اليوم هو فعل سياسي بامتياز، لكنه مغلف بالقيم، ومحصن بالأخلاق، وموجه نحو حماية القانون لا تقويضه. إنه إعلان واضح بأن الجنوب، وهو يسير نحو تحقيق أهدافه في التحرر والاستقلال، لن يقبل أن يكون ذلك على حساب العدالة، ولن يسمح بأن تتحول القضايا المصيرية إلى صفقات مؤقتة. فالقبيلة هنا ليست بديلًا عن الدولة، بل حارسًا لها حين تضعف، ومرآةً تعكس ضمير المجتمع حين يغيب الصوت الرسمي.

* رئيس تجمع اتحاد الجنوب العربي عدن