في كل مرة تتراجع فيها أسعار النفط في الأسواق العالمية، يتجدد السؤال ذاته في الشارع اليمني: متى سينعكس هذا الانخفاض على أسعار الوقود محلياً؟ لكن مع مرور الوقت، بات واضحًا أن المشكلة لم تعد في أسعار النفط العالمية بقدر ما أصبحت في السياسات المالية المحلية التي تحول دون وصول أي أثر إيجابي إلى المواطن.

فعندما ينخفض سعر برميل النفط، من المفترض أن تتراجع تكاليف الاستيراد تدريجيًا، وأن ينعكس ذلك على أسعار البنزين والديزل، هذه قاعدة اقتصادية بديهية تعمل بها معظم دول العالم غير أن ما يحدث لدينا مختلف تمامًا إذ يظل المواطن يدفع أسعارًا مرتفعة حتى عندما تتراجع الأسعار العالمية، وكأن السوق المحلية معزولة عن المتغيرات الدولية.

السبب الحقيقي يكمن في تضخم الرسوم والضرائب والتكاليف الإضافية التي تُفرض على المشتقات النفطية قبل وصولها إلى المستهلك فقرار تعديل الدولار الجمركي واحتساب الرسوم وفق سعر السوق بدلًا من السعر السابق الذي كان يدور حول 700 ريال للدولار أدى إلى قفزة كبيرة في تكاليف الاستيراد، تجاوزت في بعض الحالات نسبة 100 في المائة.

وهنا تكمن المفارقة فبينما تنخفض الأسعار العالمية، ترتفع الكلفة المحلية بفعل الرسوم، لتلتهم أي مكاسب محتملة كان يفترض أن يستفيد منها المواطن وبذلك يصبح الحديث عن تراجع أسعار النفط العالمية أقرب إلى خبر اقتصادي عالمي لا علاقة له بواقع الناس ومعاناتهم اليومية.

الأخطر من ذلك أن الوقود ليس مجرد سلعة عادية يمكن التعامل معها بمنطق الإيرادات والجبايات فقط، بل هو العمود الفقري للاقتصاد فأي زيادة في سعر البنزين أو الديزل تنعكس فورًا على تكاليف النقل وأسعار الغذاء والدواء والخدمات وكلفة تشغيل المصانع والمزارع والمرافق العامة،

بمعنى آخر، فإن الرسوم المفروضة على الوقود لا يدفعها مالك السيارة وحده، بل يدفعها المجتمع بأكمله.

ومن حق المواطنين أن يتساءلوا: لماذا لا تحظى المشتقات النفطية بمعاملة استثنائية باعتبارها سلعة استراتيجية؟ ولماذا لا تُخفف عنها الرسوم الجمركية أو تُعفى منها جزئيًا؟ ولماذا تستمر الحكومة في تحميل الوقود أعباء مالية إضافية، وهي تعلم أن آثارها تمتد إلى كل منزل وكل أسرة؟

إن الحكومات في أوقات الأزمات الاقتصادية تتجه عادة إلى تخفيف الأعباء عن السلع الأساسية، لأنها تدرك أن حماية القدرة الشرائية للمواطن جزء من مسؤوليتها أما حين تتحول الرسوم والضرائب إلى عامل رئيسي في رفع الأسعار، فإن المواطن يفقد الثقة بأي حديث عن تحسن اقتصادي أو انخفاض عالمي في الأسعار، لأنه لا يرى انعكاسًا لذلك في حياته اليومية.

المشكلة اليوم ليست في سعر النفط العالمي فقط، بل في غياب رؤية اقتصادية تضمن وصول أي انخفاض في الأسعار إلى المستهلك، فالمواطن لا يعنيه كم بلغ سعر البرميل في الأسواق الدولية، بقدر ما يعنيه سعر اللتر في محطة الوقود، وكلفة المواصلات، وسعر الغذاء في السوق.

وإذا كانت الحكومة تبحث عن موارد مالية لتعزيز إيراداتها، فإن الحل لا ينبغي أن يكون دائمًا عبر جيب المواطن، ولا من خلال فرض مزيد من الأعباء على السلع الأساسية التي تمس حياة الناس بشكل مباشر. فاستمرار هذه السياسات يعني عملياً نقل آثار الأزمة الاقتصادية إلى المواطنين بدلاً من البحث عن معالجات حقيقية لها.

اليوم، ومع كل حديث عن تراجع أسعار النفط عالميًا، يظل السؤال قائمًا دون إجابة واضحة: لماذا لا يصل هذا الانخفاض إلى المواطن؟ ومن المستفيد من بقاء أسعار الوقود مرتفعة رغم تراجع أسعار النفط في الأسواق الدولية؟

إن الإجابة عن هذا السؤال لم تعد مطلبًا إعلاميًّا أو اقتصاديًّا فحسب، بل أصبحت ضرورة وطنية تفرضها معاناة المواطنين، الذين ينتظرون سياسات أكثر عدالة وإنصافًا، لا تكتفي بتحصيل الإيرادات، بل تسعى إلى تخفيف الأعباء وتحسين مستوى المعيشة في واحدة من أصعب المراحل الاقتصادية التي تمر بها البلاد.