أخر تحديث للموقع
اليوم - الساعة 04:00 ص بتوقيت مدينة عدن

مقالات الرأي

  • من صنعاء إلى الرياض.. رحلة البحث عن المنصب

    وديد ملطوف




    في عام 2011، وفي ذروة ما عُرف بثورة الشباب، قال لي رجل عُرف بالحكمة وبُعد النظر، عبارة لم تغادر ذاكرتي حتى اليوم: "إذا كنت تبحث عن منصب فاذهب إلى صنعاء، واقترب من مركز القرار السياسي، ولن تعود إلا وقد نلت ما تطمح إليه".

    ابتسمت حينها، واعتبرت حديثه أقرب إلى المبالغة منه إلى الواقع. كنت أؤمن أن المناصب تُكتسب بالاجتهاد، وأن سنوات العمل والخبرة والكفاءة هي الطريق الطبيعي للوصول إلى مواقع المسؤولية.

    لكن السنوات اللاحقة حملت لي واقعاً مختلفاً. رأيت أشخاصاً غادروا إلى صنعاء، ثم عادوا بعد فترة قصيرة وهم يشغلون مناصب رفيعة ويحملون امتيازات لم يكن كثير منهم يتوقع الوصول إليها. ومع تكرار المشهد، بدأت أدرك أن كلمات ذلك الرجل لم تكن مجرد رأي، بل قراءة دقيقة لآلية صناعة القرار في تلك المرحلة.

    ثم جاءت حرب عام 2015، وتبدلت موازين القوى، وانتقلت مراكز التأثير السياسي. وبعد سنوات التقيت نفس الرجل، فسألته مازحاً عما إذا كانت نصيحته القديمة ما زالت صالحة، فابتسم وقال:

    "لقد تغير العنوان.. إذا كنت تريد منصباً اليوم، فلم تعد صنعاء هي الوجهة، بل الرياض".

    لم تمضِ فترة طويلة حتى بدا وكأن الواقع يعيد نفسه بصورة مختلفة. سافر كثيرون، وعادوا بقرارات تعيين، أو بمناصب قيادية، أو بأدوار لم يكونوا جزءاً منها من قبل.

    غير أن القضية في جوهرها لا تتعلق بصنعاء أو الرياض، ولا بالمكان الذي تصدر منه قرارات التعيين. فالأماكن تتغير بتغير الظروف السياسية، أما المشكلة الحقيقية فتظل ثابتة: كيف تُمنح المناصب؟ وعلى أي أساس يتم اختيار من يتولى إدارة مؤسسات الدولة؟

    عندما تصبح العلاقات الشخصية، والولاءات، والمحسوبية، أقصر الطرق إلى المسؤولية، بينما تتراجع الكفاءة والخبرة والاستحقاق إلى الصفوف الخلفية، فإن النتيجة لا تكون سوى مؤسسات ضعيفة، وقرارات مرتبكة، وإدارة عاجزة عن مواجهة التحديات.

    المناصب العامة ليست مكافآت سياسية، ولا جوائز ترضية، ولا وسيلة لتوزيع النفوذ بين القوى المتنافسة. إنها مسؤولية وطنية، تتطلب معرفة، وخبرة، ونزاهة، وقدرة على اتخاذ القرار وخدمة الصالح العام.

    وللأسف، فإن كثيرًا من المسؤولين لم يأتوا عبر مسار مهني طبيعي، ولم يتدرجوا في العمل الإداري أو التنفيذي، ولم يثبتوا كفاءتهم في مواقع أصغر قبل أن يتولوا مسؤوليات أكبر. وفي حالات عديدة يصبح المنصب هو بداية التجربة، لا تتويجاً لها، فتدفع مؤسسات الدولة والمواطنون ثمن هذا الخلل.

    ولعل ما يعيشه اليمن اليوم من تراجع في أداء مؤسساته، وتعثر في الخدمات، وبطء في الإنجاز، ليس إلا انعكاساً طبيعياً لمنظومة قدمت الولاء على الكفاءة، والعلاقات على الاستحقاق، والمحاصصة على المهنية.

    إن إصلاح الدولة لا يبدأ بإعادة تشكيل الحكومات أو تغيير أسماء المسؤولين فحسب، بل يبدأ بإصلاح فلسفة التعيين نفسها، وإعادة الاعتبار لمبدأ تكافؤ الفرص، واعتماد الكفاءة معيارًا وحيدًا لتولي المسؤولية.

    فالدول التي تريد أن تنهض لا تبحث عن الأشخاص الأقرب إلى مراكز النفوذ، بل عن الأكثر قدرة على تحمل المسؤولية. وهي لا تقيس الرجال بعدد علاقاتهم، وإنما بما يملكونه من علم وخبرة ونزاهة وإنجاز.

    قد تتغير العواصم التي تُصنع فيها القرارات، وقد تتبدل مراكز النفوذ من مرحلة إلى أخرى، لكن الحقيقة التي لا تتغير هي أن الأوطان لا تُبنى بالمحسوبية، ولا تُدار بالولاءات الضيقة، وإنما تنهض بالعقول، والخبرات، والمؤسسات، وباختيار الرجل المناسب في المكان المناسب.

المزيد من مقالات (وديد ملطوف)

Phone:+967-02-255170

صحيفة الأيام , الخليج الأمامي
كريتر/عدن , الجمهورية اليمنية

Email: [email protected]

ابق على اتصال