> بقلم: أبريل لونغلي آلي:

​أتاحت مراسم التشييع البارزة في إيران فرصة للحوثيين لممارسة ضغوط على المملكة العربية السعودية، كما منحت طهران مناسبة لإظهار دعمها لحليفها والإشارة إلى أنها لا تزال تمتلك أوراق ضغط يمكن استخدامها عند أحد أهم الممرات البحرية الاستراتيجية في العالم.

تتعرض الهدنة القائمة في اليمن منذ أربعة أعوام لضغوط شديدة. ففي 13 يوليو، اتهم الحوثيون السعودية بقصف مطار صنعاء الدولي لمنع هبوط طائرة إيرانية كانت تقل أعضاء من الجماعة عائدين من مراسم تشييع المرشد الأعلى الإيراني علي خامنئي. وأدان المتحدث العسكري للجماعة، يحيى سريع، الهجوم، معلنًا انتهاء مرحلة خفض التصعيد مع الرياض.وعقب ذلك، أطلق الحوثيون طائرات مسيّرة وصواريخ باتجاه مطار أبها الدولي عبر الحدود، وهو هجوم أعلنت السعودية اعتراضه، كما حذرت الجماعة من أن الأجواء السعودية لم تعد آمنة حتى يتم رفع جميع القيود المفروضة على مطار صنعاء.

غير أن التوترات كانت تتصاعد منذ أسابيع قبل هذا التطور. ففي 3 يوليو، قامت شركة "ماهان إير" الإيرانية، الخاضعة لعقوبات أمريكية بسبب دعمها لفيلق القدس التابع للحرس الثوري الإيراني، بتسيير رحلة إلى صنعاء لنقل وفد الحوثيين المشارك في مراسم التشييع، وذلك دون موافقة الحكومة اليمنية. وكانت تلك أول رحلة مباشرة بين طهران وصنعاء منذ أكثر من عشر سنوات، وهو ما اعتُبر تحديًا مباشرًا لترتيبات السيطرة على المجال الجوي التي تديرها السلطات اليمنية والتحالف بقيادة السعودية.

وقبل ذلك، صعّد الحوثيون خطابهم تجاه الرياض، مهددين باستئناف الحرب إذا لم ترفع المملكة بالكامل ما يصفونه بـ"الحصار" على اليمن، وتسهّل صرف رواتب موظفي القطاع العام، وتقدم تعويضات عن الحرب، إلى جانب مطالب أخرى. كما اختبرت الجماعة جبهة داخلية مهمة بشن هجوم غير ناجح على القوات الحكومية اليمنية على الساحل الغربي للبحر الأحمر، في واحدة من أعنف المواجهات التي شهدتها البلاد منذ سنوات.كان من المتوقع أن تتعرض الهدنة للاهتزاز في مرحلة ما. فمنذ انخراط الحوثيين في حرب غزة عام 2023 إلى جانب حركة حماس، وتعطيلهم حركة الملاحة في مضيق باب المندب، وما ترتب على ذلك من تصنيفهم منظمة إرهابية من قبل الولايات المتحدة، دخل مسار السلام اليمني في حالة جمود.

وقبل تلك التطورات، كانت الأمم المتحدة قد طرحت خارطة طريق للسلام تضمنت وقفًا لإطلاق النار ومزايا اقتصادية كبيرة للجماعة. لكن المشهد تغيّر كثيرًا منذ ذلك الحين، ويبدو أن الحوثيين باتوا أكثر استعجالًا وثقة في قدرتهم على انتزاع مكاسب أكبر.

وكما هو حال حلفائهم في طهران، تعرض الحوثيون لضربات عسكرية مؤثرة نتيجة الحملات الجوية الأمريكية والإسرائيلية خلال عامي 2024 و2025، كما يواجهون ضغوطًا اقتصادية كبيرة. ومع ذلك، يشعرون اليوم بثقة استراتيجية أكبر.

فقد أثبتوا قدرتهم على تعطيل حركة الملاحة البحرية، وتزايدت أهمية هذه الورقة مع اضطرار السعودية إلى زيادة صادراتها النفطية عبر موانئ البحر الأحمر نتيجة تشديد إيران قبضتها على مضيق هرمز.

كما أن الحرب مع إيران عززت قناعة الحوثيين بأن الرياض، رغم استعدادها لتنفيذ ضربات محدودة لإرسال رسائل ردع، فإن أولويتها الأساسية لا تزال تتمثل في تجنب التصعيد. وعلى خلاف بقية حلفاء إيران الإقليميين، ما تزال القيادة الحوثية تحتفظ بتماسكها.

وفي هذا السياق، تستغل الجماعة مناسبة تشييع خامنئي لاختبار طبيعة الصفقة الممكنة مع السعودية، في حين أن القضايا المطروحة تتجاوز بكثير مسألة إعادة تشغيل مطار صنعاء.ومن حيث المبدأ، يرى الكاتب أن المطار ينبغي أن يُفتح أمام الرحلات المدنية، وأن هناك خيارات لتحقيق ذلك، مشيرًا إلى أن الحكومة اليمنية عرضت تسيير رحلات محدودة عبر الخطوط الجوية اليمنية.

إلا أن الحوثيين، بحسب التحليل، لا يسعون فقط إلى تشغيل المطار، بل إلى فتح كامل وغير مقيد على العالم الخارجي، بما في ذلك الرحلات المباشرة إلى طهران، بما يسهل حصولهم على المكونات العسكرية والخبرات الفنية.

كما أن مطالبهم المتعلقة برفع "الحصار" تشمل، على الأرجح، ملفات معروفة تتطلب حوارًا بين الأطراف اليمنية، من بينها إنهاء عمليات التفتيش الأممية على السفن القادمة إلى ميناء الحديدة، وصرف الرواتب في المناطق الخاضعة لسيطرتهم، والحصول على نصيب من موارد اليمن النفطية والغازية.

وفي نهاية المطاف، يسعى الحوثيون، بحسب الكاتبة، إلى تحقيق استقلال اقتصادي وسياسي يرسخ سلطتهم في الداخل ويوسع نفوذهم في منطقة البحر الأحمر.وأكد زعيم الجماعة عبدالملك الحوثي هذه المطالب في خطاب ألقاه اليوم، اتهم فيه السعودية بعدم الرغبة في السلام، وبالانحياز الكامل إلى الولايات المتحدة وبريطانيا وحتى إسرائيل، وبمنع الشعب اليمني من حقوقه الأساسية وسيادته وكرامته.

وصعّد الحوثي لهجته في ختام خطابه، داعيًا إلى تعبئة شعبية ضد ما وصفه بـ"الحصار"، مؤكدًا أن "المعادلة الحقيقية هي: مطارات مقابل مطارات، وموانئ مقابل موانئ، وحصار مقابل حصار".
كما حذر من أن جميع المنشآت النفطية والبنية التحتية الحيوية في السعودية تقع ضمن مدى الصواريخ والطائرات المسيّرة التابعة للجماعة.

أما إيران، فلديها حساباتها الخاصة، وفقًا للمقال. فالسماح برحلة صنعاء حمل رسالة مفادها أن طهران مستعدة للاستمرار، بل وزيادة دعمها لحلفائها المسلحين في الخارج رغم الضغوط الأمريكية.

كما شكّل ذلك تذكيرًا بأن إيران ما تزال تمتلك أوراقًا إضافية في مواجهتها مع واشنطن، أبرزها إمكانية دفع الحوثيين إلى تهديد الملاحة في باب المندب في وقت تشهد فيه حركة التجارة عبر مضيق هرمز تراجعًا، بما يعني عمليًا تضييق الخناق على اثنين من أهم الممرات البحرية التي يعتمد عليها الاقتصاد العالمي.

وحتى الآن، تبادل الطرفان ضربات محسوبة بعناية هدفت إلى إرسال رسائل متبادلة بشأن المطالب والخطوط الحمراء دون الانزلاق إلى مواجهة واسعة.

ورغم أن احتمال التوصل إلى تفاهم مؤقت لا يزال قائمًا، فإن هامش الخطأ في الحسابات يزداد اتساعًا.

وترى الكاتبة أن أخطر ما يميز المرحلة الحالية هو أن الهدنة اليمنية الهشة لم تعد مهددة فقط بفعل المظالم والخلافات الداخلية، بل أصبحت تتأثر بصورة متزايدة بالتنافس الإقليمي، حيث يرى الحوثيون فرصة لانتزاع تنازلات أكبر، بينما تنظر إليهم إيران باعتبارهم أداة ضغط مهمة في مواجهة كل من السعودية والولايات المتحدة.وتخلص الكاتبة إلى أن المخاطر لم تعد تقتصر على اليمن وحده، وإنما تمتد إلى الاقتصاد العالمي وإلى توازنات القوة المتغيرة في الشرق الأوسط.

أبريل لونغلي آلي هي زميلة أولى في معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى، وعملت سابقًا مستشارة سياسية أولى للمبعوث الخاص للأمم المتحدة إلى اليمن.