> «الأيام»العربي الجديد:

​انتهت جولة المفاوضات الثانية بين الحكومة الفيدرالية وأقطاب المعارضة أمس الأربعاء دون التوصل إلى تسوية لحل الخلافات العالقة، وانسحب وفدا ولايتي بونتلاند وجوبالاند من المحادثات السياسية مع الحكومة الفيدرالية في مقديشو، بعد فشل التوصل إلى تقدم بشأن القضايا الخلافية. ويرى ممثلو ولايتي بونتلاند وجوبالاند أن الرئيس حسن شيخ محمود لم يُبدِ مرونة كافية أو استعداداً لتقديم تنازلات بشأن القضايا المتعلقة بالانتخابات الفيدرالية، وهو ما أسهم، من وجهة نظرهم، في تعثر مسار المفاوضات.

 وبحسب وسائل إعلام محلية، فإن عددا من الدبلوماسيين الأتراك بدأوا وساطة محلية منذ مايو الماضي بين المعارضة والحكومة، وكثفوا اتصالاتهم الميدانية مع جميع الأطراف المعنية بالأزمة، لإنهاء المواجهات الأمنية التي شهدتها مقديشو الشهر الماضي بعد تمركز رئيس الحكومة الأسبق حسن علي خيري في منزل بحي هدن وسط العاصمة، وانتقال الرئيس الصومالي الأسبق شريف شيخ أحمد إلى منزل آخر شرقي العاصمة، ما أثار مخاوف الحكومة الفيدرالية من عملية تعبئة وتحشيد لأنصار المعارضة، الأمر الذي فجّر مواجهات عنيفة استمرت يومين في العاصمة، وانتهت بتدخل تركي، ونجحت في عقد مفاوضات بين المعارضة والحكومة.

ويأتي انسحاب الوفدين في وقت تتواصل فيه الجهود السياسية الرامية إلى التوصل لتوافق بين الحكومة الفيدرالية والولايات والقوى السياسية بشأن مستقبل العملية الانتخابية، وسط استمرار الخلافات حول آليات إدارة المرحلة المقبلة. ولم تصدر الحكومة الفيدرالية، حتى الآن، أي تعليق رسمي بشأن انسحاب وفدي بونتلاند وجوبالاند أو أسباب تعثر المفاوضات.

وفي السياق، يرى خبراء أن تركيا تعد حالياً أهم شريك خارجي بالنسبة للحكومة الصومالية الفيدرالية، حيث تشارك في تدريبات الجيش الصومالي إلى جانب الاستثمار في القطاع الصحي والعقاري، كما تدير شركات تركية مطار مقديشو وميناء العاصمة، ولهذا فإن أنقرة تحرص على منع انهيار الوضع الأمني والسياسي في البلاد.

وفي هذا الصدد، يقول الباحث الصومالي ومحرر موقع الصومال اليوم عبد الولي السيد، في حديث لـ"العربي الجديد" إن "التدخل التركي لحل الخلاف بين الحكومة الفيدرالية الصومالية والمعارضة يعكس تنامي نفوذ أنقرة في الصومال والقرن الأفريقي، فتركيا لم تعد حاضرة فقط عبر المساعدات أو المشاريع التنموية، بل أصبحت تملك مصالح أمنية واقتصادية وجيوسياسية واسعة، تشمل التدريب العسكري والتعاون الأمني والتجارة والموارد البحرية وقطاع النفط والغاز".

ويضيف "لذلك، تسعى أنقرة إلى منع أي تصعيد سياسي قد يهدد هذه المكتسبات أو يضعف مؤسسات الدولة الصومالية التي ترتبط معها بشراكات استراتيجية، فاستمرار التوتر بين الحكومة والمعارضة قد يعرقل التعاون الأمني، ويؤثر على المصالح الاقتصادية التركية، ويفتح المجال أمام قوى إقليمية منافسة لاستغلال الانقسام الداخلي".

ويرى عبد الولي أن نجاح الوساطة التركية يظل مرتبطاً بثلاثة عوامل رئيسية: قدرة أنقرة على الظهور وسيطاً مقبولاً لدى جميع الأطراف، إلى جانب حجم النفوذ الذي تمتلكه على الحكومة والمعارضة، وقدرتها على احتواء الأطراف الخارجية التي قد تسعى إلى إفشال أي تسوية أو إبقاء الصومال في حالة توتر سياسي.
وتبدو الوساطة التركية محاولة لحماية الاستقرار السياسي في الصومال من جهة، وحماية المصالح التركية المتراكمة من جهة أخرى، لكنها لن تنجح بشكل كامل ما لم تُقابل باستعداد صومالي حقيقي للحوار وتقديم تنازلات متبادلة. ويتساءل كثيرون حول عدم نجاعة الجهود التركية لإنهاء الملفات العالقة، سيما الانتخابات المباشرة والتعديلات الدستورية، إلى جانب مخاوف المعارضة حول سوء استغلال المنظومة الأمنية لتنفيذ أجندات خاصة للرئاسة الصومالية التي انتهت فترتها في مايو الماضي.

وفي هذا السياق، يقول الباحث بمركز الصومال للدراسات عدنان عبدي، في حديث لـ"العربي الجديد"، إن "هناك فرصة حقيقية لنجاح الوساطة التركية، وتبدو مؤشرات التهدئة والانفراج السياسي أكثر وضوحاً من السابق. ويعود ذلك إلى أن هذه الوساطة تحظى بدعم دولي من الولايات المتحدة وبريطانيا والاتحاد الأوروبي، إلى جانب ما تتمتع به تركيا من علاقات راسخة واستثمارات استراتيجية تمنحها نفوذاً مؤثراً لدى مختلف الأطراف. كما أن عامل الوقت يشكل ضغطاً متزايداً على قوى المعارضة، ويدفعها نحو القبول بتسوية سياسية تفضي إلى إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن".

ومع ذلك، فإن التوصل إلى اتفاق نهائي لا يزال مرتبطاً بحسم تفاصيل النموذج الانتخابي، بما يشمل الإطار الإداري، والجدول الزمني، وآليات التمويل، والقدرات الفنية واللوجستية اللازمة لتنفيذه، فضلاً عن وجود رغبة وضغط دوليين لإنهاء حالة الانسداد السياسي. ويستدرك عدنان قائلاً "إن تعدد مكونات المعارضة، التي تضم أربع كتل رئيسية ذات مواقف وأولويات مختلفة، يزيد من تعقيد مسار الحوار، وقد يبطئ الوصول إلى توافق شامل، أو يفتح الباب أمام سيناريوهات تفاوضية أكثر تعقيداً".

وحول مبررات بونتلاند وجوبالاند لإنهاء القطيعة مع الحكومة الفيدرالية والانخراط في الحوار، يرى عدنان، أن الضغوط الدولية تمثل أحد أبرز العوامل التي تدفع ولاية بونتلاند إلى العودة لطاولة الحوار، في ظل رغبة المجتمع الدولي في توحيد المواقف السياسية وإنجاز توافق وطني قبل الاستحقاقات المقبلة.
 
أما بالنسبة لولاية جوبالاند، فإن رئيسها أحمد محمد إسلام (مدوبي) يسعى إلى تعزيز شرعيته السياسية من خلال الانخراط في عملية تفاوضية تضمن الاعتراف بدوره شريكاً أساسياً في أي تسوية سياسية، لا سيما في ظل استمرار الخلاف مع الحكومة الفيدرالية بشأن شرعية ولايته، لكن انخراط بونتلاند وجوبالاند في الحوار يعكس مؤشرات إيجابية على اقتراب الأطراف من تفاهمات أكثر جدية، وإن كانت لا تزال بحاجة إلى معالجة الملفات الخلافية الأساسية قبل الوصول إلى اتفاق سياسي شامل.