> «الأيام» العرب:

لم تعد الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران محصورة في مياه الخليج العربي أو مضيق هرمز، بل أخذت خلال الأيام الأخيرة منحى أكثر اتساعًا، مع انتقالها إلى مسارح بحرية جديدة تمتد من البحر الأحمر جنوبًا إلى بحر قزوين شمالًا.

ويعكس هذا التطور تحولًا نوعيًا في طبيعة الصراع، إذ باتت المواجهة تتجاوز الاشتباك المباشر بين واشنطن وطهران لتشمل حلفاء إيران وخصومها الإقليميين والدوليين، بما يهدد بتوسيع رقعة الحرب إلى مساحات جغرافية أكثر تعقيدًا وتشابكًا.

ورغم توقف الضربات الأميركية المباشرة ضد إيران بعد نحو أسبوعين من العمليات المكثفة، فإن مؤشرات التهدئة لم تنعكس على مسار الصراع، بل ظهرت ساحات جديدة للاشتباك، في وقت تسعى فيه إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب إلى الموازنة بين مواصلة الضغط العسكري على طهران وتجنب الانزلاق إلى حرب إقليمية مفتوحة.

ويبدو أن هذا التحول يعكس انتقال إيران إلى استراتيجية تقوم على توزيع الضغوط عبر جبهات متعددة، مستفيدة من شبكة حلفائها الإقليميين، بما يسمح لها بمواصلة استنزاف خصومها دون الدخول في مواجهة مباشرة واسعة مع الولايات المتحدة.

وجاءت الهجمات التي شنها الحوثيون على منشآت نفطية سعودية في جازان وينبع لتؤكد أن البحر الأحمر أصبح ساحة رئيسية في الحرب الحالية، بعدما كان مضيق هرمز يمثل محور التهديد الأكبر لإمدادات الطاقة العالمية.

فالمنشآت التي استهدفتها الجماعة اليمنية ليست أهدافًا عسكرية فحسب، وإنما تمثل جزءًا من البنية التي اعتمدت عليها السعودية خلال السنوات الأخيرة لتقليل اعتماد صادراتها النفطية على المرور عبر مضيق هرمز، الذي فرضت إيران حصارًا بحريًا عليه مع بداية التصعيد.

وبذلك تصبح السعودية أمام معادلة أمنية أكثر تعقيدًا، فبدلًا من تأمين خطوط الملاحة في الخليج فقط، بات عليها حماية مسار بحري ثان يمتد على طول ساحل البحر الأحمر، وهو ما يرفع كلفة الدفاع عن البنية التحتية للطاقة.

وتكشف التطورات الأخيرة أن الحرب الأهلية اليمنية خرجت من حالة الجمود التي استمرت منذ اتفاق وقف إطلاق النار عام 2022، لتعود مجددًا باعتبارها إحدى أهم ساحات المواجهة الإقليمية.

أما بالنسبة لإيران، فإن فتح الجبهة اليمنية يمنحها وسيلة ضغط إضافية على السعودية، ويتيح لها تهديد طرق تصدير النفط دون الاضطرار إلى مواجهة مباشرة في الخليج، وهو ما ينسجم مع استراتيجية "الحروب غير المباشرة" التي اعتمدتها طهران طوال السنوات الماضية.

وفي المقابل، لم يقتصر توسع الحرب على جنوب المنطقة، إذ انتقلت تداعياتها إلى بحر قزوين بعد اتهام طهران أوكرانيا باستهداف سفينة تجارية إيرانية، في حادثة تضيف بعدًا جديدًا للصراع.

ورغم أن تفاصيل الهجوم لا تزال غير واضحة، فإن توقيته يحمل دلالات مهمة، خصوصًا مع تصريحات الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي بشأن نقل روسيا معلومات استخباراتية إلى إيران عبر الأقمار الصناعية لمساعدتها في تنفيذ عملياتها العسكرية في الشرق الأوسط.

إيران انتقلت إلى استراتيجية تقوم على توزيع الضغوط عبر جبهات متعددة، مستفيدة من شبكة حلفائها الإقليميين، بما يسمح لها بمواصلة استنزاف خصومها دون الدخول في مواجهة مباشرة واسعة مع الولايات المتحدة.

ويشير هذا التطور إلى تداخل متزايد بين الحرب في أوكرانيا والصراع في الشرق الأوسط، حيث أصبحت الجبهتان تتبادلان التأثير بصورة غير مسبوقة، في ظل التقارب العسكري بين موسكو وطهران، والدعم الغربي المستمر لكييف.

ويعني ذلك أن بحر قزوين، الذي ظل لعقود بعيدًا عن المواجهات العسكرية المباشرة، قد يتحول إلى مسرح جديد للصراع غير المباشر بين القوى الدولية والإقليمية.

ومن البحر الأحمر، حيث تتعرض البنية التحتية للطاقة السعودية للاستهداف، إلى بحر قزوين، حيث تتقاطع حسابات روسيا وأوكرانيا مع الصراع الإيراني، يتشكل مشهد إقليمي أكثر تعقيدًا، تتداخل فيه الحروب المحلية مع المنافسات الدولية.