في عالم السياسة، يندر أن تجد مسؤولًا يعترف بأخطائه، ويزداد الأمر ندرة عندما يكون ذلك المسؤول قد شغل أعلى المناصب في الدولة. فغالبًا ما يكتب السياسيون مذكراتهم لتبرئة أنفسهم، أو لإلقاء اللوم على الآخرين، أو لإعادة صياغة التاريخ بما يخدم صورتهم أمام الأجيال. لكن هناك استثناءات قليلة تستحق التوقف عندها.
في كثير من لقاءاتي بالرئيس علي ناصر محمد، كنت أسأله عن أحداث دامية شهدها الجنوب منذ الاستقلال وحتى خروجه من السلطة. وكنت أترقب تفسيرًا أو تبريرًا أو محاولة لإلقاء المسؤولية على الآخرين، إلا أن جوابه كان يأتي مختصرًا وعميقًا في آن واحد: "لا تسأل كثيرًا عن هذه الأمور... إنها من حماقاتنا".
لم يكن يقصد شخصًا بعينه، ولم يكن يحاول أن يبرئ نفسه أو يدين غيره، بل كان يتحدث بصيغة الجمع، معترفًا بأن الجميع ارتكب أخطاء دفع الجنوب واليمن ثمنها باهظًا. وهذا الاعتراف، في تقديري، يمثل شجاعة سياسية وأخلاقية نفتقدها كثيرًا في واقعنا، حيث لا يزال معظم الفاعلين السياسيين يعتقدون أن الاعتراف بالخطأ ضعف، بينما هو في الحقيقة أول الطريق نحو تصحيح المسار.
ولعل من يتابع لقاءات الرئيس علي ناصر محمد الإعلامية يلاحظ أن معظم المحاورين يحاولون جره إلى الحديث عن أحداث الثالث عشر من يناير 1986، وكأنهم يبحثون عن تصريح يعيد إشعال نارٍ خمدت، أو يفتح جراحًا حاول اليمنيون تضميدها. لكنه في كل مرة كان يختار لغة هادئة ومتزنة، بعيدة عن التحريض والانتقام، مؤكدًا أن الماضي يجب أن يُقرأ لا أن يُستنسخ، وأن الشعوب لا تبني مستقبلها وهي أسيرة صراعاتها القديمة.
لقد أدرك الرجل، مبكرًا، أن استمرار استدعاء الماضي لن ينتج إلا مزيدًا من الانقسام، ولذلك كان من أوائل الداعين إلى التصالح والتسامح بين أبناء الجنوب. ولم تكن تلك الدعوة مجرد شعار سياسي، بل تحولت إلى مشروع مجتمعي احتضنته شخصيات وطنية ومنظمات مدنية، وفي مقدمتها جمعية أبناء العواذل في عدن، التي لعبت دورًا مهمًا في بلورة الفكرة وصولًا إلى اللقاء التاريخي في جمعية ردفان بعدن في 13 يناير 2006.
وفي ذلك اللقاء، ألقى الرئيس علي ناصر محمد كلمة عبر اتصال هاتفي دعا فيها إلى طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، تُكتب فيها سطور المستقبل بعيدًا عن الأحقاد والثأر. ومن الإنصاف القول إن تلك المبادرة شكلت إحدى الركائز الفكرية والأخلاقية التي مهدت لانطلاق الحراك السلمي الجنوبي، الذي رفع في بداياته مطالب الحقوق والكرامة بعيدًا عن العنف.
واليوم، وبعد مرور سنوات طويلة، تتعرض شخصية علي ناصر محمد لحملات إعلامية وسياسية شرسة تحاول تحميله وحده مسؤولية كل ما جرى في الجنوب، وكأن التاريخ يبدأ عنده وينتهي عنده. وهذا الطرح لا يخدم الحقيقة، لأن ما شهدته اليمن، شمالًا وجنوبًا، كان نتاج تراكمات معقدة شاركت فيها أطراف متعددة، ولا يمكن اختزالها في شخص واحد مهما كان موقعه.
إن كتابة التاريخ بروح الانتقام ليست كتابة للتاريخ، وإنما صناعة لرواية سياسية تخدم الحاضر أكثر مما تفسر الماضي. وإذا كنا نريد أن ننصف الضحايا، فعلينا أولًا أن ننصف الحقيقة، وأن نعترف بأن المسؤولية كانت جماعية، وأن الأخطاء كانت مشتركة، وأن المآسي لم تكن نتاج قرار فردي، بل نتيجة ثقافة سياسية كاملة قامت على الإقصاء والصراع والعنف.
ولعل ما يزيد من غرابة هذه الحملات أنها تستهدف رجلًا لا يزال حتى اليوم يدعو إلى وقف الحرب في اليمن، وإلى استعادة مؤسسات الدولة، برئيس واحد، وحكومة واحدة، وبرلمان واحد، وجيش وطني واحد، بعيدًا عن مشاريع التشظي والانقسام ومراكز النفوذ المسلحة. وهي مواقف تنسجم مع تطلعات ملايين اليمنيين الذين أنهكتهم الحرب وأرهقتهم الانقسامات.
ومن حق أي مواطن أن يختلف مع علي ناصر محمد سياسيًا، وأن ينتقد تجربته أو قراراته، لكن ليس من حق أحد أن يعيد إنتاج الكراهية، أو أن يجعل من الماضي وقودًا لصراعات الحاضر. فالأمم التي لا تتعلم من أخطائها تظل تدور في الحلقة نفسها، وتكرر مآسيها بأسماء وشعارات مختلفة.
إن اليمن اليوم أحوج ما يكون إلى مشروع وطني للمصالحة، يقوم على كشف الحقيقة، والاعتراف بالأخطاء، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، لا وفق منطق الثأر. وهذه هي العدالة الانتقالية التي نجحت في إخراج شعوب كثيرة من دوامة الصراعات، ويمكنها أن تفتح أمام اليمنيين بابًا نحو مستقبل مختلف.
لقد آن الأوان لأن نغادر لغة التخوين والتشفي، وأن ننتقل إلى لغة الدولة والقانون والمصالحة. فاليمن لن يبنى بالانتقام، ولن يستقر بإحياء الخصومات القديمة، وإنما بإرادة سياسية تعترف بالماضي، وتتعلم منه، وتتجه بثقة نحو المستقبل.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه اليوم ليس البحث عمن نحمّله مسؤولية الأمس، بل البحث عمن يستطيع أن يساعد في إنقاذ الغد.
في كثير من لقاءاتي بالرئيس علي ناصر محمد، كنت أسأله عن أحداث دامية شهدها الجنوب منذ الاستقلال وحتى خروجه من السلطة. وكنت أترقب تفسيرًا أو تبريرًا أو محاولة لإلقاء المسؤولية على الآخرين، إلا أن جوابه كان يأتي مختصرًا وعميقًا في آن واحد: "لا تسأل كثيرًا عن هذه الأمور... إنها من حماقاتنا".
لم يكن يقصد شخصًا بعينه، ولم يكن يحاول أن يبرئ نفسه أو يدين غيره، بل كان يتحدث بصيغة الجمع، معترفًا بأن الجميع ارتكب أخطاء دفع الجنوب واليمن ثمنها باهظًا. وهذا الاعتراف، في تقديري، يمثل شجاعة سياسية وأخلاقية نفتقدها كثيرًا في واقعنا، حيث لا يزال معظم الفاعلين السياسيين يعتقدون أن الاعتراف بالخطأ ضعف، بينما هو في الحقيقة أول الطريق نحو تصحيح المسار.
ولعل من يتابع لقاءات الرئيس علي ناصر محمد الإعلامية يلاحظ أن معظم المحاورين يحاولون جره إلى الحديث عن أحداث الثالث عشر من يناير 1986، وكأنهم يبحثون عن تصريح يعيد إشعال نارٍ خمدت، أو يفتح جراحًا حاول اليمنيون تضميدها. لكنه في كل مرة كان يختار لغة هادئة ومتزنة، بعيدة عن التحريض والانتقام، مؤكدًا أن الماضي يجب أن يُقرأ لا أن يُستنسخ، وأن الشعوب لا تبني مستقبلها وهي أسيرة صراعاتها القديمة.
لقد أدرك الرجل، مبكرًا، أن استمرار استدعاء الماضي لن ينتج إلا مزيدًا من الانقسام، ولذلك كان من أوائل الداعين إلى التصالح والتسامح بين أبناء الجنوب. ولم تكن تلك الدعوة مجرد شعار سياسي، بل تحولت إلى مشروع مجتمعي احتضنته شخصيات وطنية ومنظمات مدنية، وفي مقدمتها جمعية أبناء العواذل في عدن، التي لعبت دورًا مهمًا في بلورة الفكرة وصولًا إلى اللقاء التاريخي في جمعية ردفان بعدن في 13 يناير 2006.
وفي ذلك اللقاء، ألقى الرئيس علي ناصر محمد كلمة عبر اتصال هاتفي دعا فيها إلى طي صفحة الماضي وفتح صفحة جديدة، تُكتب فيها سطور المستقبل بعيدًا عن الأحقاد والثأر. ومن الإنصاف القول إن تلك المبادرة شكلت إحدى الركائز الفكرية والأخلاقية التي مهدت لانطلاق الحراك السلمي الجنوبي، الذي رفع في بداياته مطالب الحقوق والكرامة بعيدًا عن العنف.
واليوم، وبعد مرور سنوات طويلة، تتعرض شخصية علي ناصر محمد لحملات إعلامية وسياسية شرسة تحاول تحميله وحده مسؤولية كل ما جرى في الجنوب، وكأن التاريخ يبدأ عنده وينتهي عنده. وهذا الطرح لا يخدم الحقيقة، لأن ما شهدته اليمن، شمالًا وجنوبًا، كان نتاج تراكمات معقدة شاركت فيها أطراف متعددة، ولا يمكن اختزالها في شخص واحد مهما كان موقعه.
إن كتابة التاريخ بروح الانتقام ليست كتابة للتاريخ، وإنما صناعة لرواية سياسية تخدم الحاضر أكثر مما تفسر الماضي. وإذا كنا نريد أن ننصف الضحايا، فعلينا أولًا أن ننصف الحقيقة، وأن نعترف بأن المسؤولية كانت جماعية، وأن الأخطاء كانت مشتركة، وأن المآسي لم تكن نتاج قرار فردي، بل نتيجة ثقافة سياسية كاملة قامت على الإقصاء والصراع والعنف.
ولعل ما يزيد من غرابة هذه الحملات أنها تستهدف رجلًا لا يزال حتى اليوم يدعو إلى وقف الحرب في اليمن، وإلى استعادة مؤسسات الدولة، برئيس واحد، وحكومة واحدة، وبرلمان واحد، وجيش وطني واحد، بعيدًا عن مشاريع التشظي والانقسام ومراكز النفوذ المسلحة. وهي مواقف تنسجم مع تطلعات ملايين اليمنيين الذين أنهكتهم الحرب وأرهقتهم الانقسامات.
ومن حق أي مواطن أن يختلف مع علي ناصر محمد سياسيًا، وأن ينتقد تجربته أو قراراته، لكن ليس من حق أحد أن يعيد إنتاج الكراهية، أو أن يجعل من الماضي وقودًا لصراعات الحاضر. فالأمم التي لا تتعلم من أخطائها تظل تدور في الحلقة نفسها، وتكرر مآسيها بأسماء وشعارات مختلفة.
إن اليمن اليوم أحوج ما يكون إلى مشروع وطني للمصالحة، يقوم على كشف الحقيقة، والاعتراف بالأخطاء، وإنصاف الضحايا، وجبر الضرر، ومحاسبة المسؤولين وفق القانون، لا وفق منطق الثأر. وهذه هي العدالة الانتقالية التي نجحت في إخراج شعوب كثيرة من دوامة الصراعات، ويمكنها أن تفتح أمام اليمنيين بابًا نحو مستقبل مختلف.
لقد آن الأوان لأن نغادر لغة التخوين والتشفي، وأن ننتقل إلى لغة الدولة والقانون والمصالحة. فاليمن لن يبنى بالانتقام، ولن يستقر بإحياء الخصومات القديمة، وإنما بإرادة سياسية تعترف بالماضي، وتتعلم منه، وتتجه بثقة نحو المستقبل.
ولعل أكثر ما نحتاج إليه اليوم ليس البحث عمن نحمّله مسؤولية الأمس، بل البحث عمن يستطيع أن يساعد في إنقاذ الغد.



















