ليست مأساة اليمن والجنوب في ندرة الموارد، بل في أن الدولة أُضعفت، والمال العام نُهب، والسلطة تحولت عبر عقود إلى باب للثراء والنفوذ وشراء الولاءات.
منذ عام 1990، ثم بصورة أوسع بعد عام 2015، تعاقبت سلطات وقيادات رفعت شعارات مختلفة، بينما بقيت النتيجة واحدة: شعب يزداد فقرًا، وخدمات تنهار، وقلة تتضخم ثرواتها في الداخل والخارج.
ولذلك لا تبدأ النهضة بمساعدات جديدة، ولا بإعادة توزيع المناصب بين الوجوه ذاتها، بل باستعادة المال العام وكسر حصانة من أثروا من السلطة أو الحرب أو النفوذ.
يمكن أن يكون حوار الرياض بداية جادة، إذا انتقل من البحث عن التمثيل إلى تأسيس قاعدة جديدة للحكم، تبدأ بأكبر مئة ملف ثراء غير مبرر لأعلى من تولوا السلطات في الجنوب منذ عام 1990 وحتى اليوم، وفق تحقيق مالي وقضائي مستقل، بلا انتقام ولا انتقائية.
من أثبت مشروعية ماله صين حقه، ومن ثبت نهبه أعاد ما أخذ، ولو أخفاه باسم أسرته أو شركائه أو أورثه لمن بعده؛ فالزمن لا يطهر المال المنهوب، والميراث لا يسقط حق الشعب.
ولا يعني البدء بالجنوب إعفاء من تولوا أعلى السلطات في بقية اليمن؛ فالمعيار واحد، والمحاسبة قادمة للجميع متى قامت سلطة قادرة على إنفاذ القانون وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.
كما يجب أن تخضع للكشف كل أموال تلقاها مسؤول أو قائد لحسابه الخاص مقابل تنفيذ إرادة دولة أخرى خارج مؤسسات الوطن. فالدعم الرسمي المعلن شيء، وشراء القرار والولاء شيء آخر؛ ومن باع قراره الوطني لا يقل مسؤولية عمن نهب المال العام.
وتوضع الأموال المستردة في صندوق مستقل وشفاف، يخصص للكهرباء والمياه والصحة والتعليم والإعمار والاستثمار المنتج. فإذا كفت الملفات الأولى لبدء النهوض، عولجت بقية القضايا بالعدالة الانتقالية؛ وإن لم تكفِ، امتدت المحاسبة حتى يبلغ الوطن حد الكفاية.
وهنا تقف دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة، أمام خيار تاريخي: إما مواصلة تمويل سلطات عاجزة وشبكات تبتلع المساعدات، أو دعم استعادة أموال اليمنيين والجنوبيين، ثم الانتقال من الإعانة والولاءات إلى شراكة الأمن والتنمية والمصالح المتبادلة.
فاليمن والجنوب لا يحتاجان إلى إنعاش دائم، بل إلى استعادة الحق، وبناء دولة لا تكون فيها السلطة غنيمة، ولا الثروة المنهوبة ميراثًا، ولا القرار الوطني سلعة.
* نائب وزير الخارجية الأسبق
منذ عام 1990، ثم بصورة أوسع بعد عام 2015، تعاقبت سلطات وقيادات رفعت شعارات مختلفة، بينما بقيت النتيجة واحدة: شعب يزداد فقرًا، وخدمات تنهار، وقلة تتضخم ثرواتها في الداخل والخارج.
ولذلك لا تبدأ النهضة بمساعدات جديدة، ولا بإعادة توزيع المناصب بين الوجوه ذاتها، بل باستعادة المال العام وكسر حصانة من أثروا من السلطة أو الحرب أو النفوذ.
يمكن أن يكون حوار الرياض بداية جادة، إذا انتقل من البحث عن التمثيل إلى تأسيس قاعدة جديدة للحكم، تبدأ بأكبر مئة ملف ثراء غير مبرر لأعلى من تولوا السلطات في الجنوب منذ عام 1990 وحتى اليوم، وفق تحقيق مالي وقضائي مستقل، بلا انتقام ولا انتقائية.
من أثبت مشروعية ماله صين حقه، ومن ثبت نهبه أعاد ما أخذ، ولو أخفاه باسم أسرته أو شركائه أو أورثه لمن بعده؛ فالزمن لا يطهر المال المنهوب، والميراث لا يسقط حق الشعب.
ولا يعني البدء بالجنوب إعفاء من تولوا أعلى السلطات في بقية اليمن؛ فالمعيار واحد، والمحاسبة قادمة للجميع متى قامت سلطة قادرة على إنفاذ القانون وإنهاء الانقلاب واستعادة مؤسسات الدولة.
كما يجب أن تخضع للكشف كل أموال تلقاها مسؤول أو قائد لحسابه الخاص مقابل تنفيذ إرادة دولة أخرى خارج مؤسسات الوطن. فالدعم الرسمي المعلن شيء، وشراء القرار والولاء شيء آخر؛ ومن باع قراره الوطني لا يقل مسؤولية عمن نهب المال العام.
وتوضع الأموال المستردة في صندوق مستقل وشفاف، يخصص للكهرباء والمياه والصحة والتعليم والإعمار والاستثمار المنتج. فإذا كفت الملفات الأولى لبدء النهوض، عولجت بقية القضايا بالعدالة الانتقالية؛ وإن لم تكفِ، امتدت المحاسبة حتى يبلغ الوطن حد الكفاية.
وهنا تقف دول الجوار، وفي مقدمتها المملكة، أمام خيار تاريخي: إما مواصلة تمويل سلطات عاجزة وشبكات تبتلع المساعدات، أو دعم استعادة أموال اليمنيين والجنوبيين، ثم الانتقال من الإعانة والولاءات إلى شراكة الأمن والتنمية والمصالح المتبادلة.
فاليمن والجنوب لا يحتاجان إلى إنعاش دائم، بل إلى استعادة الحق، وبناء دولة لا تكون فيها السلطة غنيمة، ولا الثروة المنهوبة ميراثًا، ولا القرار الوطني سلعة.
* نائب وزير الخارجية الأسبق



















