> عبد الحافظ الصاوي:
تتوالى تداعيات الصراع في منطقة الشرق الأوسط مع توسع رقعة الصراع وخلط الأوراق ودخول الممرات المائية ضمن الأسلحة المطروحة على الطاولة، والمتصارعون يبحثون عن أوراق ضغط، وكسب الوقت، والملاحظ أن السعي لامتلاك أوراق استراتيجية لدى الأطراف المتحاربة لم يعد قاصرًا على مضيق هرمز ومعركة رسوم العبور وتسيير سفن الشحن العالمية وفق أي آلية، حسب تطلعات إيران وأحلام الولايات المتحدة، أو أمنية باقي دول العالم أن يعود مضيق هرمز كما كان قبل الحرب وبلا رسوم، لتستمر التجارة الدولية في أقل تكاليف ممكنة، تفاديًا لارتفاع معدلات التضخم التي يعاني منها الاقتصاد العالمي منذ الحرب الروسية على أوكرانيا في عام 2022.
وبسرعة انتقلت أوراق الضغط والأسلحة المتعلقة بحرب الممرات المائية في المنطقة إلى باب المندب، شريان التجارة العالمية، حيث تدرس جماعة الحوثيين في اليمن إمكانية فرض رسوم على السفن التي تمر في المضيق. والأمر لا يمكن قراءته أو تفهمه بعيدًا عن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والصراع المتنامي في منطقة الشرق الأوسط.
وإبان حرب طوفان الأقصى، تأثرت قناة السويس بشكل كبير بسبب تحويل السفن مساراتها بعيدًا عنها بحثًا عن الأمن، والبعد عن أن تنالها نيران تلك الحرب، وكذلك بسبب إغلاق جماعة الحوثيين مضيق باب المندب دعماً لقطاع غزة والمقاومة الفلسطينية في حربها مع الكيان الصهيوني.
وحسب بيانات التقرير المالي الشهري لوازرة المالية المصرية، فإن عوائد المرور بقناة السويس بلغت في العام المالي 2022/ 2023، قبل حرب طوفان الأقصى، 8.7 مليارات دولار، وفي عام 2023/ 2024 تراجعت إلى 6.6 مليارات دولار، إلا أن التأثير السلبي الأكبر كان في عام 2024/ 2025 حيث تراجعت الإيرادات إلى 3.6 مليارات دولار.
وهذا يمثل مشكلة للاقتصاد المصري وايراداته الدولارية، خاصة إذا ما علمنا أن إيرادات قناة السويس تعد واحدة من أهم خمسة مصادر للنقد الأجنبي في مصر على مدار العقود الماضية إلى جانب الصادرات وتحويلات المغتربين والسياحة وغيرها، وقد تزامن تراجع إيراداتها إبان الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى يونيو 2025 مع أزمة للنقد الأجنبي وسعر الصرف بمصر.
فضلًا عن أن تجارة مصر الخارجية التي ترتبط بكل من الاتحاد الأوروبي والصين سوف تتأثر سلبًا من حيث ارتفاع تكلفة الصادرات والواردات التي تمر في مضيق باب المندب، نظير أن تدفع مصر رسومًا لعبور تجارتها في مضيق باب المندب.
وبلا شك سيكون لمصر في ضوء البعد الاقتصادي أن تشارك باقي دول العالم في الاعتراض على فرض رسوم مرور في مضيق باب المندب، حفاظًا على الميزة النسبية لقناة السويس بوصفها ممراً دولياً، وكذلك تفادياً لارتفاع تكلفة تجارتها الخارجية.
وقد يؤدي الأمر في حالة إتمامه، ودخول ما تؤول إليه الأمور من قبل الحوثيين بفرض رسوم على المرور في مضيق باب المندب، أن يتحقق المراد من إشعال المنطقة وتوسع الحرب الدائرة الآن إقليميًا، بأن تشارك مصر في تلك الحرب دفاعًا عن مصالحها.
هنا تبدو المعضلة، فقرار الحرب ليس سهلًا، إذ إنّ له تكلفته الاقتصادية والسياسية العالية، وفي ما يبدو أنّ مصر باتت في تحدٍ جديد أمام محاولات جرها إلى الدخول في الحرب الحالية على إيران، بخاصة بعد ما حدث مساء يوم الأربعاء 29 يوليو 2026، من ضرب إحدى السفن الخاصة بشركة أميركية تعمل في مجال التغويز في مدينة دمياط المصرية، وإعلان الحكومة المصرية أن السفينة تم استهدافها بطائرة مسيرة.
ونحسب أن إيران حريصة على وجود علاقات جيدة مع مصر، وأنها لن تسعى إلى جرّ القاهرة إلى تلك الحرب، بخاصة بعد الموقف المصري من هذه الحرب منذ بدايتها، والذي يتبلور في ما يمكن أن نسميه الحياد، والحفاظ على علاقات جيدة مع طهران ودول الخليج.
وبالتالي سوف تراعي إيران، عبر قرار جماعة الحوثيين، عدم تضرر مصر من فرض قرار برسوم على المرور في مضيق باب المندب، إلا إذا فرضت الحرب على إيران الدخول في مزيد من الضغوط على الولايات المتحدة من خلال عرقلة التجارة الدولية، وتحشيد الدول ضد واشنطن، باعتبارها تعطل مسيرة الاقتصاد العالمي. أوروبا والعالم تتوالى الضغوط على الاقتصاد العالمي على مدار السنوات الماضية، بداية من أزمة جائحة كورونا ومرورًا بالحرب الروسية على أوكرانيا، والحرب التجارية التي أشعلها الرئيس دونالد ترامب على عدد من الدول، ومعركة طوفان الأقصى، ثم الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وأدت هذه الحروب جميعها إلى مشكلات اقتصادية عدة، كان أبرزها ارتفاع معدلات التضخم، بسبب ارتفاع أسعار النفط، وهو ما نتجت عنه هشاشة النمو الاقتصادي العالمي، وغياب حالة التفاؤل تجاه العديد من المشكلات الاقتصادية التي تؤرق الاقتصاد العالمي، مثل المديونية والفقر، والتأثير السلبي على تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية.
وقرار فرض رسوم على مرور السفن من مضيق باب المندب لن يكون قاصرًا على بعض دول المنطقة إيجابًا أو سلبًا، ولكنه ستكون له أضرار على صعيد الدول كافة التي تمر تجارتها من هذا المضيق، فضلًا عن هذا الأمر يأتي في ظل إصرار إيران على عدم تفويت مكسبها الاستراتيجي من الحرب التي شنتها عليها الولايات المتحدة وإسرائيل، والمتمثل في الإشراف على مضيق هرمز والحصول على رسوم للمرور فيه.
عن "العربي الجديد"
وبسرعة انتقلت أوراق الضغط والأسلحة المتعلقة بحرب الممرات المائية في المنطقة إلى باب المندب، شريان التجارة العالمية، حيث تدرس جماعة الحوثيين في اليمن إمكانية فرض رسوم على السفن التي تمر في المضيق. والأمر لا يمكن قراءته أو تفهمه بعيدًا عن حرب الولايات المتحدة وإسرائيل ضد إيران، والصراع المتنامي في منطقة الشرق الأوسط.
وبالنظر إلى ما أعلن الحوثيون من اعتبار الخطوة المرتقبة رسالة لدعم إيران ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، فإنّ للأمر تداعيات اقتصادية تلقي بظلالها السلبية على عدة أطراف، أولها مصر والتأثير السلبي على قناة السويس، وكذلك أوروبا وما تعانيه من مشكلات اقتصادية بسبب الحرب الروسية على أوكرانيا من جهة، وضغوط الحرب الدائرة بين الولايات المتحدة وإيران، أو مشكلات الاقتصاد العالمي الذي يعاني من هشاشة النمو منذ سنوات، ثم زيادة منسوب التضخم.
وكذلك ما يتوقع للقرار المرتقب من أن يؤدي في حال تطبيقه إلى رفع تكلفة النقل حول العالم، وبالتالي ارتفاع تكلفة السلع والمنتجات، وزيادة معدلات التضخم، وبخاصة أن الأمر لن يكون مجرد قرار عابر، بل سيؤصل لاستمرار فرض الرسوم، في حال تطبيقه وقبول دول العالم به على ممرات مائية أخرى.
- استهداف قناة السويس
وإبان حرب طوفان الأقصى، تأثرت قناة السويس بشكل كبير بسبب تحويل السفن مساراتها بعيدًا عنها بحثًا عن الأمن، والبعد عن أن تنالها نيران تلك الحرب، وكذلك بسبب إغلاق جماعة الحوثيين مضيق باب المندب دعماً لقطاع غزة والمقاومة الفلسطينية في حربها مع الكيان الصهيوني.
وحسب بيانات التقرير المالي الشهري لوازرة المالية المصرية، فإن عوائد المرور بقناة السويس بلغت في العام المالي 2022/ 2023، قبل حرب طوفان الأقصى، 8.7 مليارات دولار، وفي عام 2023/ 2024 تراجعت إلى 6.6 مليارات دولار، إلا أن التأثير السلبي الأكبر كان في عام 2024/ 2025 حيث تراجعت الإيرادات إلى 3.6 مليارات دولار.
وهذا يمثل مشكلة للاقتصاد المصري وايراداته الدولارية، خاصة إذا ما علمنا أن إيرادات قناة السويس تعد واحدة من أهم خمسة مصادر للنقد الأجنبي في مصر على مدار العقود الماضية إلى جانب الصادرات وتحويلات المغتربين والسياحة وغيرها، وقد تزامن تراجع إيراداتها إبان الفترة من أكتوبر/تشرين الأول 2023 إلى يونيو 2025 مع أزمة للنقد الأجنبي وسعر الصرف بمصر.
- ماذا ستفعل مصر؟
فضلًا عن أن تجارة مصر الخارجية التي ترتبط بكل من الاتحاد الأوروبي والصين سوف تتأثر سلبًا من حيث ارتفاع تكلفة الصادرات والواردات التي تمر في مضيق باب المندب، نظير أن تدفع مصر رسومًا لعبور تجارتها في مضيق باب المندب.
وبلا شك سيكون لمصر في ضوء البعد الاقتصادي أن تشارك باقي دول العالم في الاعتراض على فرض رسوم مرور في مضيق باب المندب، حفاظًا على الميزة النسبية لقناة السويس بوصفها ممراً دولياً، وكذلك تفادياً لارتفاع تكلفة تجارتها الخارجية.
وقد يؤدي الأمر في حالة إتمامه، ودخول ما تؤول إليه الأمور من قبل الحوثيين بفرض رسوم على المرور في مضيق باب المندب، أن يتحقق المراد من إشعال المنطقة وتوسع الحرب الدائرة الآن إقليميًا، بأن تشارك مصر في تلك الحرب دفاعًا عن مصالحها.
هنا تبدو المعضلة، فقرار الحرب ليس سهلًا، إذ إنّ له تكلفته الاقتصادية والسياسية العالية، وفي ما يبدو أنّ مصر باتت في تحدٍ جديد أمام محاولات جرها إلى الدخول في الحرب الحالية على إيران، بخاصة بعد ما حدث مساء يوم الأربعاء 29 يوليو 2026، من ضرب إحدى السفن الخاصة بشركة أميركية تعمل في مجال التغويز في مدينة دمياط المصرية، وإعلان الحكومة المصرية أن السفينة تم استهدافها بطائرة مسيرة.
ونحسب أن إيران حريصة على وجود علاقات جيدة مع مصر، وأنها لن تسعى إلى جرّ القاهرة إلى تلك الحرب، بخاصة بعد الموقف المصري من هذه الحرب منذ بدايتها، والذي يتبلور في ما يمكن أن نسميه الحياد، والحفاظ على علاقات جيدة مع طهران ودول الخليج.
وبالتالي سوف تراعي إيران، عبر قرار جماعة الحوثيين، عدم تضرر مصر من فرض قرار برسوم على المرور في مضيق باب المندب، إلا إذا فرضت الحرب على إيران الدخول في مزيد من الضغوط على الولايات المتحدة من خلال عرقلة التجارة الدولية، وتحشيد الدول ضد واشنطن، باعتبارها تعطل مسيرة الاقتصاد العالمي. أوروبا والعالم تتوالى الضغوط على الاقتصاد العالمي على مدار السنوات الماضية، بداية من أزمة جائحة كورونا ومرورًا بالحرب الروسية على أوكرانيا، والحرب التجارية التي أشعلها الرئيس دونالد ترامب على عدد من الدول، ومعركة طوفان الأقصى، ثم الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.
وأدت هذه الحروب جميعها إلى مشكلات اقتصادية عدة، كان أبرزها ارتفاع معدلات التضخم، بسبب ارتفاع أسعار النفط، وهو ما نتجت عنه هشاشة النمو الاقتصادي العالمي، وغياب حالة التفاؤل تجاه العديد من المشكلات الاقتصادية التي تؤرق الاقتصاد العالمي، مثل المديونية والفقر، والتأثير السلبي على تحقيق الأهداف الإنمائية للألفية.
وقرار فرض رسوم على مرور السفن من مضيق باب المندب لن يكون قاصرًا على بعض دول المنطقة إيجابًا أو سلبًا، ولكنه ستكون له أضرار على صعيد الدول كافة التي تمر تجارتها من هذا المضيق، فضلًا عن هذا الأمر يأتي في ظل إصرار إيران على عدم تفويت مكسبها الاستراتيجي من الحرب التي شنتها عليها الولايات المتحدة وإسرائيل، والمتمثل في الإشراف على مضيق هرمز والحصول على رسوم للمرور فيه.
- الخرائط الجيوسياسية
عن "العربي الجديد"














