لقد خلقنا الله بالمحبة، ومن أجل المحبة، وجعلها أول لغةٍ تسكن الروح قبل أن تسكن اللسان. فما من إنسانٍ يولد وفي قلبه كراهية، ولا طفلٍ يفتح عينيه على الدنيا وهو يعرف الخصومة أو التفرقة. إنما يولد بقلبٍ نقي، مستعدٍ لأن يتعلم كل ما يراه حوله. ولذلك، فإن أعظم ما يُكتب في قلب الإنسان لا يُكتب بالحروف، بل بالمواقف.

وقبل أن يتعلّم الطفل الكلام..!!

فإنه يتعلّم كيف يُحب، وكيف يطمئن، وكيف ينتظر دوره، وكيف يشارك لعبته، وكيف يعتذر، وكيف يغفر. وحين ينطق أول كلمة، تكون في داخله آلاف الكلمات التي لم ينطق بها بعد، لكنها أصبحت جزءًا من شخصيته.

ولهذا فإن السؤال الحقيقي ليس: ماذا نُعلّم أبناءنا؟ بل: ماذا يشاهدون منا كل يوم؟

فالطفل لا يحفظ وصايا والديه بقدر ما يحفظ علاقتهما ببعضهما، ولا يتذكر عدد النصائح التي قيلت له، بقدر ما يتذكر الطريقة التي حُلَّ بها الخلاف داخل بيته. إنه يتعلّم من العيون أكثر مما يتعلّم من الألسنة، ومن الأفعال أكثر مما يتعلّم من الكلمات.

ومن هنا تبدأ قصة التماسك.

فالأسرة ليست مكانًا للنوم والطعام فحسب، بل هي أول مؤسسةٍ تُصنع فيها شخصية الإنسان، وأول وطنٍ يتعلم فيه معنى الانتماء، وأول مجتمعٍ يتدرّب فيه على العدل، والمسؤولية، والرحمة، واحترام الآخر. فإذا تماسك البيت، خرج منه إنسانٌ يعرف كيف يُصلح ولا يُفسد، وكيف يبني ولا يهدم، وكيف يجمع ولا يُفرّق.

واليمن اليوم، وهو يشتاق إلى الاستقرار أكثر من أي وقتٍ مضى، لا يحتاج إلى أن يبدأ رحلته من قاعات السياسة بقدر ما يحتاج أن يبدأها من غرف الجلوس في بيوته. فالأوطان لا تُبنى أولًا بالقرارات، بل بالأسر التي تُخرّج رجالًا ونساءً يحملون القيم قبل أن يحملوا المناصب.

إن كثيرًا من خلافات المجتمع ليست سوى انعكاسٍ لخلافاتٍ لم تجد علاجها داخل الأسرة. وكثيرٌ من صور الرحمة التي نراها في المجتمع هي امتدادٌ لبيتٍ علّم أبناءه أن قوة الإنسان ليست في أن ينتصر على أخيه، بل في أن يحفظه ويقف إلى جانبه.

ولو جعلنا من كل بيت مدرسةً للمحبة، ومن كل مائدةٍ تدريبًا على المشاركة، ومن كل خلافٍ فرصةً لتعليم الحوار، لما احتجنا بعد سنوات إلى أن نسأل: كيف نبني مجتمعًا متماسكًا؟ لأن الإجابة ستكون قد كبرت معنا منذ كانت تمشي بخطوات طفلٍ صغير.

إن صلابة الأوطان لا تبدأ من حدودها... بل من حدود الأسرة. وما المجتمع في حقيقته إلا مجموعة من البيوت، فإذا تماسكت البيوت، تماسك المجتمع، وإذا تماسك المجتمع، نهض الوطن. ولذلك فإن أعظم استثمارٍ يمكن أن تقدمه اليمن لمستقبلها ليس مشروعًا من الإسمنت، بل مشروعًا يعيد للأسرة رسالتها، ويجعل من المحبة منهجًا، ومن القدوة أسلوبًا، ومن التماسك ثقافةً يعيشها الأبناء قبل أن يتحدثوا عنها.

فما يتعلّمه الطفل قبل أن يتعلّم الكلام هو ما سيقوله الوطن غدًا بصوت أبنائه.