ليس السؤال اليوم: من سيحكم؟ وليس السؤال: من سيسترد الأموال؟

السؤال الحقيقي هو: كيف نبني دولة لا يتكرر فيها ما حدث منذ عام 1990؟

فلو كان تغيير الحكومات وحده يصنع الأوطان، لكانت بلادنا اليوم من أكثر الدول استقرارًا، فقد تغيرت الحكومات، وتبدلت التحالفات، وتعاقبت السلطات، لكن النتيجة بقيت واحدة؛ لأن القواعد التي أنتجت الفساد بقيت كما هي.

ولهذا جاءت المبادرة الوطنية بفكرة مختلفة، لا تبدأ باسترداد الأموال، ولا بتقاسم السلطة، بل تبدأ بتغيير قواعد الدولة.

فأي حوار، سواء كان حوار الرياض الجنوبي–الجنوبي أو أي حوار يمني شامل، ينبغي أن يسبقه الاتفاق على قاعدتين لا يجوز تجاوزهما.

الأولى: لا شرعية لتمثيل أحد دون نزاهة وإفصاح، لأن من يطلب ثقة الشعب يجب أن يكون أول من يخضع لمعايير الشفافية.

والثانية: اعتماد استرداد المال العام بندًا رئيسيًا في جدول أعمال الحوار قبل انعقاده، لا بعد تقاسم المناصب.

وهنا تبدأ الدولة الجديدة.

فما يُتفق عليه قبل الحوار يصبح جزءًا من مخرجاته، وما يُقر في المخرجات يتحول إلى قوانين، ثم إلى مبادئ دستورية تلتزم بها كل سلطة وكل حزب وكل مسؤول في المستقبل.

وعندها لا يعود استرداد المال العام مطلبًا سياسيًا مؤقتًا، بل يصبح واجبًا دستوريًا، كما تصبح النزاهة شرطًا دائمًا لتولي المسؤولية العامة؛ وقد يسأل البعض: وهل سيقبل أصحاب النفوذ بذلك؟

والجواب: ربما لا، إذا بقي الأمر مجرد فكرة. أما إذا أصبح مطلبًا شعبيًا واسعًا، وأحد معايير نجاح أي حوار، ومدعومًا من الجهة الراعية ومن الأشقاء في الإقليم ومن المجتمع الدولي باعتباره مدخلًا لبناء دولة مستقرة وقادرة على حماية المال العام، فإن تجاهله سيصبح أكثر صعوبة.

فالدول الشقيقة والصديقة لا تبحث عن استقرار مؤقت، بل عن شريك قادر على الوفاء بالتزاماته، وحماية موارده، ومحاربة الفساد، وتوفير بيئة آمنة للاستثمار والتنمية. وهذه مصالح مشتركة، لا تتعارض مع مصلحة اليمن، بل تتقاطع معها.

لهذا فإن المبادرة الوطنية ليست مشروعًا لمحاسبة الماضي فحسب، بل مشروعًا يمنع تكراره. وهي لا تستهدف أشخاصًا أو مكونات، وإنما تستهدف تغيير القواعد التي أعادت إنتاج الأزمات طوال العقود الماضية.

إن معركتنا ليست مع الأشخاص، بل مع القواعد. فإذا تغيرت القواعد، أصبح تغيير الواقع ممكنًا. أما إذا بقيت القواعد كما هي، فلن يتغير شيء، مهما تغيرت الحكومات أو تبدلت الوجوه.

لا تُبنى الدول بتغيير الحكام، بل ببناء قواعد تجعل كل حاكم خاضعًا للقانون، وكل مال عام مصونًا، وكل مواطن مطمئنًا إلى أن العدالة لا ترتبط بالأشخاص، بل بالدولة نفسها.

* نائب وزير الخارجية الأسبق