الحقيقة أننا أصبحنا نمضي في حياتنا باحثين عن متطلبات كانت في الماضي من تحصيل الحاصل، موجودةً ولا تحتاج منا إلى أي جهد.
كنت أحسب أنه من الصعب أن نقبل أن نكون هكذا، لكننا حقًا قد أفرطنا في التعود على أشياء لم يكن من الممكن، حتى في الخيال، أن نقبل بها. لكنه الواقع الذي فُرض علينا. فعندما يتحول الظلام من أمرٍ طارئ إلى واقعٍ حقيقي مستمر في حياتنا، نألفه ونتعود عليه، حتى تضيق مساحة النور لدينا، ولم نعد نرى الأشياء على حقيقتها.
ولكل شيء تبعات؛ فكما للنور تبعاته من الوضوح، والعلم، والسلام، والطمأنينة، فإن للظلام تبعاته أيضًا، وليس فقط انعدام النور ومساحة الضوء التي نرى فيها الأشياء. ففي الظلام يوجد الخوف، وانعدام الأمان، والإحساس بالرهبة، والغموض الذي يسبق الأحداث. وفي الظلام يصبح كل شيء مباحًا: السرقة، والاعتداء على الغير، والاغتصاب. ففي جنح الظلام لا تتوقف الأعمال السيئة، لأن الظلام غطاءٌ كافٍ عن عيون الآخرين.
وفي اللحظات القليلة التي تأتي فيها الكهرباء ويضيء النور، ننشغل سريعًا بشحن مصابيح الإضاءة والهواتف، وتشغيل مضخة المياه. نلهث خلف هذه الأشياء بسرعة فائقة حتى لا نفاجأ بانقطاع الكهرباء، فنصبح في جحيم ضياع الفرصة وعدم اغتنامها. هكذا أصبح حالنا منذ عشر سنوات؛ فالظلام صار سمةً معيشية في حياتنا. نشغل تفكيرنا بهذه التفاصيل حتى لا تتوقف حياتنا، ولم نعد نهتم كثيرًا بأن نسأل أنفسنا: لماذا يحدث ذلك؟ ولماذا يحصل هذا في بلدٍ ينعم بكل هذه الإمكانات من الخير والثروة؟
عندما يتوقف السؤال، ونفقد القدرة على النطق، ونتقبل الواقع كما لو أنه كُتب علينا، نعيش المأساة، ونخلق لها الأعذار تلو الأخرى، ونتعود على الواقع الصعب. راتبٌ يتأخر شهرًا، أو شهرين، أو ثلاثة أشهر، وارتفاعٌ في الأسعار، ففي كل يوم سعر جديد، ومياه وكهرباء لا تأتيان إلا لساعتين في اليوم. نتعايش مع تلك الظروف، أو بالأحرى نتعود عليها، لأنها أجبرتنا على ذلك.
لكن المؤسف حقًا أننا اليوم نواجه كل ذلك بالتعود، وعلينا الاستسلام له، والرضوخ، والقبول به، لا لشيء إلا لأننا فقدنا الإحساس بالرفض والمقاومة أمام من يسرق حقوقنا؛ من التاجر الذي يرفع الأسعار في وجوهنا كل يوم، ومن الحكومة التي لا تقدم ما عليها من خدمات تجاه المواطن: لا كهرباء، ولا مياه، ولا تعليم، ولا رواتب مستدامة.
كل تلك الأشياء كان يمكن أن تتوقف، لولا أننا رضينا بهذا الواقع، وتعودنا عليه، وقبلناه نفسيًا حتى أصبح تغييره يبدو مستحيلًا.
التعود... ماذا يعني لنا التعود؟ يصفه لنا الكاتب السوري ممدوح عدوان في تلك المقولة الجميلة، إذ يقول:"أتعرف ماذا تعلمنا في الدرس يا أبي؟ شرحوا لنا في المدرسة عن التعود. حين تشم رائحة تضايقنا فإن جهازنا العصبي كله ينتبه ويعبر عن ضيقه، ولكن بعد حين من البقاء معها يخف الضيق من الرائحة. أتعرف معنى ذلك؟ معناه أن هناك شعيرات حساسة في مجرى الشم قد ماتت، فلم تعد تحس. يعني أن الشعيرات الحساسة والأعصاب الحساسة فينا ماتت... نحن لا نتعود على الأشياء إلا إذا مات فينا شيء. تصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على ما يجري".
ومفاد ذلك أننا تعودنا على ما يجري حولنا وفينا، حتى ماتت في داخلنا كثير من الأحاسيس، وخفت شعلة الغضب والرفض. لست أدري، هل ماتت فينا فعلًا؟... أظن ذلك.
كنت أحسب أنه من الصعب أن نقبل أن نكون هكذا، لكننا حقًا قد أفرطنا في التعود على أشياء لم يكن من الممكن، حتى في الخيال، أن نقبل بها. لكنه الواقع الذي فُرض علينا. فعندما يتحول الظلام من أمرٍ طارئ إلى واقعٍ حقيقي مستمر في حياتنا، نألفه ونتعود عليه، حتى تضيق مساحة النور لدينا، ولم نعد نرى الأشياء على حقيقتها.
ولكل شيء تبعات؛ فكما للنور تبعاته من الوضوح، والعلم، والسلام، والطمأنينة، فإن للظلام تبعاته أيضًا، وليس فقط انعدام النور ومساحة الضوء التي نرى فيها الأشياء. ففي الظلام يوجد الخوف، وانعدام الأمان، والإحساس بالرهبة، والغموض الذي يسبق الأحداث. وفي الظلام يصبح كل شيء مباحًا: السرقة، والاعتداء على الغير، والاغتصاب. ففي جنح الظلام لا تتوقف الأعمال السيئة، لأن الظلام غطاءٌ كافٍ عن عيون الآخرين.
وفي اللحظات القليلة التي تأتي فيها الكهرباء ويضيء النور، ننشغل سريعًا بشحن مصابيح الإضاءة والهواتف، وتشغيل مضخة المياه. نلهث خلف هذه الأشياء بسرعة فائقة حتى لا نفاجأ بانقطاع الكهرباء، فنصبح في جحيم ضياع الفرصة وعدم اغتنامها. هكذا أصبح حالنا منذ عشر سنوات؛ فالظلام صار سمةً معيشية في حياتنا. نشغل تفكيرنا بهذه التفاصيل حتى لا تتوقف حياتنا، ولم نعد نهتم كثيرًا بأن نسأل أنفسنا: لماذا يحدث ذلك؟ ولماذا يحصل هذا في بلدٍ ينعم بكل هذه الإمكانات من الخير والثروة؟
عندما يتوقف السؤال، ونفقد القدرة على النطق، ونتقبل الواقع كما لو أنه كُتب علينا، نعيش المأساة، ونخلق لها الأعذار تلو الأخرى، ونتعود على الواقع الصعب. راتبٌ يتأخر شهرًا، أو شهرين، أو ثلاثة أشهر، وارتفاعٌ في الأسعار، ففي كل يوم سعر جديد، ومياه وكهرباء لا تأتيان إلا لساعتين في اليوم. نتعايش مع تلك الظروف، أو بالأحرى نتعود عليها، لأنها أجبرتنا على ذلك.
لكن المؤسف حقًا أننا اليوم نواجه كل ذلك بالتعود، وعلينا الاستسلام له، والرضوخ، والقبول به، لا لشيء إلا لأننا فقدنا الإحساس بالرفض والمقاومة أمام من يسرق حقوقنا؛ من التاجر الذي يرفع الأسعار في وجوهنا كل يوم، ومن الحكومة التي لا تقدم ما عليها من خدمات تجاه المواطن: لا كهرباء، ولا مياه، ولا تعليم، ولا رواتب مستدامة.
كل تلك الأشياء كان يمكن أن تتوقف، لولا أننا رضينا بهذا الواقع، وتعودنا عليه، وقبلناه نفسيًا حتى أصبح تغييره يبدو مستحيلًا.
التعود... ماذا يعني لنا التعود؟ يصفه لنا الكاتب السوري ممدوح عدوان في تلك المقولة الجميلة، إذ يقول:"أتعرف ماذا تعلمنا في الدرس يا أبي؟ شرحوا لنا في المدرسة عن التعود. حين تشم رائحة تضايقنا فإن جهازنا العصبي كله ينتبه ويعبر عن ضيقه، ولكن بعد حين من البقاء معها يخف الضيق من الرائحة. أتعرف معنى ذلك؟ معناه أن هناك شعيرات حساسة في مجرى الشم قد ماتت، فلم تعد تحس. يعني أن الشعيرات الحساسة والأعصاب الحساسة فينا ماتت... نحن لا نتعود على الأشياء إلا إذا مات فينا شيء. تصور حجم ما مات فينا حتى تعودنا على ما يجري".
ومفاد ذلك أننا تعودنا على ما يجري حولنا وفينا، حتى ماتت في داخلنا كثير من الأحاسيس، وخفت شعلة الغضب والرفض. لست أدري، هل ماتت فينا فعلًا؟... أظن ذلك.
















