قد يبدو الأمر غريبًا، لكن الفرق بين الموت والحياة قد لا يتجاوز اتجاه الكسر.

فالبيضة إذا كُسرت من الخارج انتهت قصتها؛ تُسكب في مقلاة، وتصبح طعامًا. أما إذا جاء الكسر من الداخل، فإن القشرة نفسها التي كانت تبدو سجنًا تصبح بابًا، ويخرج منها كائن جديد يحمل قلبًا ينبض، وعينين تريان، وخطوات تمشي نحو المستقبل.

ليست المشكلة في الكسر؛ بل في مصدره.وهذا هو الدرس الذي يحتاجه اليمن اليوم أكثر من أي وقت مضى. فكم انتظرنا أن يأتينا التغيير من الخارج ؛ انتظرناه في قرارات الدولة، وفي الاتفاقيات، وفي تبديل المسؤولين، وفي تدخل هذا الطرف أو ذاك، حتى أصبح بعضنا يظن أن خلاص الأوطان يُستورد كما تُستورد البضائع.

لكن الحياة لا تُستورد..!

وكل ما يأتي من الخارج قد يغيّر شكل الأشياء، لكنه لا يغيّر جوهرها. قد يوقف حربًا، لكنه لا يزرع سلامًا. وقد يبني جدارًا، لكنه لا يبني إنسانًا. وقد يفرض نظامًا، لكنه لا يخلق ضميرًا.

أما التغيير الذي يولد من الداخل، فهو الوحيد الذي يستطيع أن يعيش. ولهذا لم تبدأ نهضة أي أمة من قصور الحكم، بل من البيوت. ولم تبدأ من المراسيم، بل من الضمائر. ولم تبدأ من البنادق، بل من التربية.

إن الطفل الذي يتعلم في بيته احترام أخيه، يكتب أول سطر في دستور الوطن. والأب الذي يعتذر لابنه، يهدم جدارًا من الاستبداد قبل أن يُبنى. والأم التي تزرع في أطفالها الصدق والرحمة، تبني جيشًا من القيم لا يحتاج إلى سلاح.

فالأسرة ليست أصغر وحدة في المجتمع ، بل هي أصغر مصنعٍ للمستقبل.

وحين تتغير الأسرة من الداخل، يتغير الحي. ويتغير الحي، فتتغير المدينة. وتتغير المدن، فيولد وطن جديد، لا لأن أحدًا كسره من الخارج، بل لأنه نضج من الداخل.

لقد علّمتنا سنوات اليمن أن القوة تستطيع أن تكسر أشياء كثيرة؛ البيوت، والجسور، والطرقات، لكنها لا تستطيع أن تبني قلبًا واحدًا. فالبناء لا يحدث بالقوة، بل بالنمو. والنمو لا يُفرض، بل يولد كما يولد الفرخ في صمت داخل بيضته.

لذلك فإن أخطر وهمٍ نعيشه هو أن نظل نطالب الآخرين بأن يتغيروا قبل أن نغيّر نحن ما في داخلنا. لأن القشرة التي نلومها ليست هي التي تمنع الحياة، بل الكائن الذي لم يكتمل بعد.

فلنكف عن انتظار اليد التي ستكسر القشرة من الخارج، ولنعمل على إنضاج الحياة في الداخل؛ في عقولنا، وفي أسرنا، وفي أخلاق أطفالنا، وفي طريقة اختلافنا، وفي أسلوب حديثنا، وفي قدرتنا على العفو والتعاون.

فما أكثر البيض المكسور..!

وما أقل الحياة التي خرجت منه. وما أحوج اليمن اليوم إلى ولادة جديدة، لا تبدأ من الحدود، ولا من المؤتمرات، ولا من نشرات الأخبار، بل من بيتٍ يربي أبناءه على المحبة، ومن أسرةٍ تتماسك رغم الصعاب، ومن إنسانٍ قرر أن يكسر خوفه، وأن يخرج إلى النور بقيمه. فالولادات العظيمة لا تُصنع بالمطارق ؛ بل تنمو في الداخل، ثم تكسر قشرتها بنفسها.

ودمتم سالمين.