> «الأيام» إرم نيوز:

​يُعيد التصعيد الحوثي غير المسبوق منذ 4 أعوام، محافظة مأرب النفطية إلى قلب استراتيجية الميليشيا العسكرية، في تحول لا تنفصل دوافعه المحلية عن الحسابات الإيرانية الرامية إلى توسيع نطاق الصراع وفتح جبهات ضغط جديدة في المنطقة.

وكشفت مصادر عسكرية يمنية لـ"إرم نيوز"، أن ميليشيا الحوثي انتقلت إلى مسار جديد من التصعيد، يقوم على استعادة القدرة على المناورة الهجومية داخليا، عبر الضغط على مناطق ذات أهمية استراتيجية للحكومة اليمنية، وإحداث اختراقات ميدانية في جبهات القتال الحساسة.

وبحسب المصادر، ناقش ما يسمى بـ"المجلس الجهادي" التابع للحوثيين قبل أسابيع، بحضور مستشارين من الحرس الثوري الإيراني، مسارات العمليات المزدوجة على المستويين الداخلي والإقليمي، بما في ذلك خيار التصعيد المركّز على مأرب، في حال أخفقت استراتيجية التصعيد البحري في جر دول الجوار إلى مواجهة واسعة، أو لم تنجح الهجمات المحلية في إعادة إشعال الحرب على نحو شامل.

وقالت المصادر إن هذه المرحلة من التحوّل في التصعيد قد تتضمن العودة إلى محاولات السيطرة على محافظة مأرب، أو إدخال منشآتها النفطية والغازية والعسكرية ضمن بنك الأهداف الحوثية؛ ما يمنح الميليشيا، أدوات ضغط اقتصادية وسياسية إضافية، ويعزز دورها ضمن الاستراتيجية الإيرانية القائمة على توزيع أدوات الصراع وتوسيع رقعته إقليميا.

وتعكس هذه التطورات رغبة الميليشيا في استعادة زمام المبادرة على جبهة مأرب، بعد سنوات من الجمود العسكري الذي أعقب الهدنة الأممية عام 2022، وإعادة اختبار خطوط التماس وقدرة القوات الحكومية على الحفاظ على مواقعها في محيط المدينة.

ويرى مراقبون أن الهجمات الأخيرة لا تعني بالضرورة أن الحوثيين بدأوا معركة مكتملة الأركان للسيطرة على مأرب، لكنها تحمل مؤشرات على عودة خيار الضغط العسكري التدريجي، خصوصا إذا تحولت العمليات الحالية إلى نمط متكرر، وامتدت إلى محاور جديدة حول المدينة.
  • هدف يتجاوز الجغرافيا
ويقول المحلل العسكري العقيد محسن الخضر، إن أهمية مأرب في الحسابات الحوثية لا ترتبط بموقعها الجغرافي والعسكري فقط، وإنما تنبع أيضا من كونها إحدى أهم مناطق إنتاج الطاقة في اليمن، إلى جانب كونها مركزا رئيسا للعمليات العسكرية المناهضة للحوثيين في شمالي البلاد.

وأوضح الخضر في حديثه لـ"إرم نيوز"، أن إخضاع مأرب أو إبقاءها تحت الضغط العسكري يمثل هدفا متعدد الأبعاد، يجمع بين المكسب الميداني والضغط الاقتصادي والتأثير السياسي.

وأشار إلى أن السيطرة عليها ليست بالضرورة شرطاً وحيداً لتحقيق هذه الأهداف؛ إذ يمكن للتهديد العسكري المستمر أن يؤدي وظيفة مشابهة عبر تعطيل الموارد واستنزاف القوات وإرباك بيئة القرار.

ويرى أن الحوثيين يدركون صعوبة حسم معركة مأرب بهجوم مباشر وشامل، وبالتالي يمكن أن تقوم استراتيجيتهم على إعادة بناء الضغط بصورة تراكمية، عبر استهداف مواقع محددة، وإرباك منظومة الدفاع، واستنزاف القوات، واستكشاف نقاط الضعف، تمهيدا لتهيئة ظروف أكثر ملاءمة لأي تحرك عسكري واسع في المستقبل.

وأضاف أن الهجوم الأخير يمكن أن يكون بمثابة اختبار لرد فعل القوات الحكومية وقدرتها على التعامل مع عودة العمليات واسعة النطاق، لافتا إلى أن تحقيق الحوثيين مكاسب ميدانية، حتى وإن كانت محدودة، قد يشجعهم على رفع مستوى التصعيد وتوسيع نطاق العمليات.

وأشار الخضر إلى أن الضغط على مأرب يحمل أيضا بعدا سياسيا؛ إذ يتيح للحوثيين تهديد واحدة من أبرز مناطق نفوذ الحكومة، وإجبارها على إعادة توجيه مواردها البشرية والعسكرية نحو الدفاع عن المحافظة، بالتزامن مع إبقاء ملف النفط والغاز ضمن أدوات الضغط في أي ترتيبات سياسية واقتصادية مقبلة.

وأكد أن المؤشر الحاسم خلال المرحلة المقبلة لن يكون حجم الهجوم الأخير بحد ذاته، وإنما مدى تحوله إلى مسار عملياتي مستمر، وما إذا كانت الميليشيا ستدفع بتعزيزات جديدة، أو تفتح محاور إضافية، أو تحاول استثمار أي ثغرات أظهرتها المواجهات الأخيرة.
  • تعطيل محاور الإمداد
وشنّ الحوثيون يومي الخميس والجمعة الماضيين، عمليات منسقة متفاوتة الأثر، طالت معسكرات للقوات الحكومية في بمأرب وأخرى قريبة منها في حضرموت؛ ما أسفر عن سقوط وإصابة عشرات الجنود والضباط، فيما لم تتمكن الهجمات التي طالت محيط المدينة من تحقيق هدفها الميداني، في ظل جاهزية القوات الحكومية وكفاءة انتشارها الدفاعي.

ويعتقد خبير الشؤون الاستراتيجية والعسكرية الدكتور علي الذهب، أن مستوى الدقة في استهداف معسكرات قوات الطوارئ يفرض التوقف عند العامل الاستخباري، ويفتح احتمالين رئيسين: إما حصول الحوثيين على معلومات مسبقة بشأن مواقع القوات وتحركاتها، أو وجود أوجه قصور في منظومة الأمن العملياتي.

وقال الذهب لـ"إرم نيوز" إن بعض الثكنات ومراكز التجمع ومخازن التسليح مكشوفة نسبيا؛ ما يجعلها أكثر قابلية للرصد والاستطلاع، سواء بالوسائل التقنية أو عبر مصادر المعلومات البشرية.

وأشار إلى أن طبيعة انتشار قوات الطوارئ تزيد من احتمالات تعرضها للرصد، إذ تتمركز بعض وحداتها بالقرب من طرق ومحاور تربط مأرب والجوف وحضرموت، وهي مناطق تشهد حركة مستمرة، بما يوفر للحوثيين فرصا أوسع لمراقبة التحركات وجمع المعلومات عن طبيعة الانتشار.

وبرأيه، فإن استهداف هذه القوات، من هذه الزاوية، لا يقتصر على إضعاف وحدة عسكرية بعينها، وإنما قد يستهدف البيئة الأمنية المحيطة بمحاور الحركة والإمداد، خصوصا مع تمركز جزء منها في الخطوط الأقرب للحوثيين في مناطق الاشتباك.