> أبوبكر محمد:
الهجرة المناخية هي شكل من أشكال التكيف مع تغير المناخ، يلجأ إليه الناس لتحسين حياتهم، ويُعرّف المهاجر المناخي بأنه الشخص الذي يُجبر على مغادرة موطنه نتيجة لتغيرات بيئية مفاجئة أو متفاقمة تؤثر سلبًا على ظروف معيشته. وينتقل المهاجرون المناخيون إما بشكل دائم أو مؤقت، وكلا الحالتين تزيد من الطلب على الموارد، في بيئات تعاني من شح الموارد كاليمن قد يؤدي هذا الطلب المتزايد إلى زعزعة الاستقرار نتيجة لتنافس عدد أكبر من الناس على موارد أقل. وقد أدت الحروب شبه المستمرة، ونقص الموارد، والانهيار الاقتصادي إلى نزوح ملايين الأشخاص داخليًا، مما خلق في اليمن رابع أسوأ أزمة نزوح داخلي في العالم. إلى جانب استمرار الصراع في اليمن برزت التغيرات المناخية كفاعل مهدد للاستقرار حيث يتسبب الجفاف وشحة المياه في تحفيز الصراعات المحلية على الموارد، إلى جانب ذلك تستقبل البلاد المزيد المهاجرين القادمين من القرن الأفريقي.

- المهاجرين الأفارقة
تعد الهجرة المناخية الناجمة عن تغير المناخ من القرن الأفريقي تهديدًا لاستقرار اليمن ونقطة ضعف طويلة الأمد لمنطقة الشرق الأوسط بأكملها، حيث مازال يتدفق الآلاف شهريًا من المهاجرين الأفارقة. وفق ورقة بحثية حديثة لمجلة لونغ وور جورنال «SWJ» الأمريكية. يدخل اليمن سنويًا ما بين مئة ومئتي ألف شخص، وتُؤدي هذه الهجرة المناخية إلى حلقة مفرغة من العنف المناخي، حيث ينتقل المهاجرون إلى أماكن جديدة يُفترض أنها تُوفر فرصًا اقتصادية أفضل، ولكن لسوء حظ من يسعون لدخول اليمن في طريقهم إلى دول الخليج، فإنهم يدخلون بيئة تعاني من نقص الموارد. ومع استمرار الصراع في اليمن يزداد الوضع سوءًا ويدفع المزيد من الناس إلى الهجرة عبر البلاد، فموارد اليمن مستنزفة ولن تؤدي التدفقات الإضافية التي تتجاوز 100 ألف شخص سنويًا إلا إلى تأجيج التنافس على الموارد ودفع المهاجرين المناخيين واليمنيين الساخطين إلى مزيد من الهجرة. اليمن بلد فقير للغاية، قاحل، جبلي، وممزق بالحروب، ليس وجهة جذابة للمهاجرين بسبب تغير المناخ، بل هو محطة عبور إلى دول مجلس التعاون الخليجي – البحرين، الكويت، عُمان، قطر، السعودية، والإمارات العربية المتحدة. لا يقل عدد المهاجرين في اليمن عن ألف مهاجر أسبوعيًا، وتشير التقديرات الحديثة إلى ما يقارب ألفي مهاجر، وبسبب الجفاف والفيضانات الناجمة عن تغير المناخ، تعرضت مساحات شاسعة من السافانا للتصحر، مما أجبر المهاجرين على الهجرة. علاوة على ذلك، تُفاقم النزاعات المتكررة في إثيوبيا والصومال هذه الهجرة. ويشكل الإثيوبيون 98 % من هؤلاء المهاجرين، بينما يشكل الصوماليون النسبة المتبقية. إضافة إلى ذلك، 73 % من المهاجرين هم من الذكور البالغين، بلا عائلات، والذين ينتقلون لأسباب اقتصادية.

- حلقة العنف المناخي المفرغة
في عام 2007، صاغت شيري غودمان مفهوم تغير المناخ باعتباره "عاملًا مضاعفًا للتهديدات" يكمن وراء جميع التهديدات الأخرى، ويربط بينها، ويزيد من حدتها. وتُعد الهجرة المثال الأبرز على هذه الوظيفة لتغير المناخ. تخلق هذه الوظيفة حلقة مفرغة بين العنف والهجرة -أي نزاع- سواء كان بين الأفراد أو داخل الدولة أو بين الدول، يتطلب ثلاثة متغيرات: الدافع، والفرصة، والوسائل. ويؤثر تغير المناخ بشكل مباشر على الدافع والفرصة، تتمحور دوافع الصراع حول الهوية والتي قد تكون عرقية، أو إثنية، أو قبلية، أو أيديولوجية، أو دينية، أو طبقية اقتصادية.

وفق الورقة البحثية الأمريكية، غالبًا ما يسكن المهاجرون بسبب تغير المناخ في الأحياء الفقيرة أو الخيام، معزولين عن شبكات الدعم التقليدية والفرص الاقتصادية. هذا يُفاقم الفجوة بين العرض والطلب على الموارد. ويواجه المهاجرون والسكان الأصليون نقصًا متزايدًا في الغذاء والماء والسكن وفرص العمل، مما يُؤجج اليأس، ويُحفز العنف في ظل ضعف الحكم وانعدام الخصوصية لدى الناس.
يُؤدي هذا العنف إلى حلقة جديدة من الهجرة الناجمة عن الندرة إلى الخارج. وفي حين أن المسؤوليات العائلية غالباً ما تجعل المهاجرين الأكبر سناً أقل عرضةً للالتحاق بشبكات اجتماعية بديلة، فإن أبناءهم الذكور، بسبب النبذ المستمر وقلة فرص العمل، هم الأكثر عرضةً للخطر. فهؤلاء الشباب لا يملكون سوى فرص قليلة خارج الجماعات الإرهابية أو الميليشيات المسلحة في اليمن، لذا فإن سبيلهم الوحيد لضمان البقاء هو الانضمام إلى هذه الجماعات. لا يقتصر الصراع الناجم عن تغير المناخ على اليمن فحسب، بل يتأثر القرن الأفريقي أيضًا بتداعيات هجرة العمالة، إذ تؤدي هذه الظاهرة إلى نزيف الكفاءات بخروج العمالة الماهرة، مما يقلل من إيرادات الضرائب في بلدانهم الأصلية ويزيد العبء الضريبي على من تبقى من القوى العاملة، في حين تتراكم الثروة لدى الفئات الأكثر مهارة.

يؤدي ذلك إلى تفاقم فجوة الدخل في بلدانهم الأصلية، مما يعمّق الصراع هناك عبر ترسيخ الهويات الاقتصادية. وفي الوقت نفسه يشهد القرن الأفريقي واحدًا من أعلى معدلات التحضر عالمياً، الأمر الذي يغذي حلقة العنف المناخي المفرغة، حيث تتداخل مسببات النزاع وتتعزز. إلى جانب الصراع والحرب خلال السنوات الماضية في اليمن، تبرز الهجرة المناخية بشكل أساسي في الريف حيث ينتقل الناس من القرى الريفية إلى المدن بسبب الجفاف وانعدام سبل العيش الزراعية، والبحث عن عمل. تتصاعد التحذيرات من الجفاف الذي يهدد آبار المياه الجوفية، ويبرز التغير المناخي سوء إدارة المواد المائية من أبرز الأسباب، وهذا يزيد من حدة النزاعات المحلية والعنف بسبب المياه ورصدت دراسات مئات القتلى في اليمن لذات السبب. يواجه اليمن إحدى أسوأ أزمات الأمن المائي في العالم، إذ لا يتجاوز نصيب الفرد من المياه المتاحة 100 متر مكعب، يذهب 95 % منها للزراعة. وقد أدى تفاقم التصحر إلى مزيد من استنزاف المياه الجوفية حيث يتم استخراج المياه بمعدل أسرع من معدل تجددها. علاوة على ذلك، تُعد محطات تحلية المياه استثمارات غير واقعية، حيث أظهرت الأحداث الأخيرة أنها تشكل أهدافًا جذابة في الحروب الحديثة في منطقة الشرق الأوسط، وهذا يجعل أمن المياه في اليمن قضية مستمرة ذات آفاق متشائمة.
تُشير التقارير إلى أن ما يتراوح بين 70 % و80 % من النزاعات في الريف اليمني تتمحور حول الموارد المائية والأراضي. ووفقًا لتقديرات المركز الدولي المعني بتأثير الصراعات على المدنيين «CIVIC» يلقى نحو أربعة آلاف شخص حتفهم سنويًا في اليمن جراء هذه النزاعات.
ريف اليمن

















