> «الأيام» اندبندنت عربية:
أظهرت التطورات الأخيرة في منطقة الخليج العربي ومضيق هرمز، أن الممرات البحرية الضيقة يمكن أن تتحول في ظروف الأزمات إلى أدوات ضغط استراتيجية تتجاوز حدود الدول المطلة عليها، وهذا ما أظهره صراع مضيق هرمز الذي أدى التصعيد حوله إلى إعادة توجيه الاهتمام الدولي نحو الممرات البحرية البديلة، وفي مقدمها البحر الأحمر ومضيق باب المندب.
وفي التطور الأحدث، عادت تهديدات الملاحة في باب المندب إلى الواجهة تزامنًا مع التوترات الأخيرة، بما يؤكد أن أمن مضيق هرمز وأمن باب المندب أصبحا مترابطين بصورة متزايدة في الحسابات الاستراتيجية الدولية.
ومن هنا يمكن القول إن المعادلة البحرية الجديدة لا تقوم على صراع منفصل حول كل مضيق، وإنما على شبكة مترابطة من نقاط الاختناق البحرية، فأي اضطراب في إحداها يمكن أن يضغط على الأخرى ويعيد توزيع حركة التجارة والطاقة ويزيد من الأعباء في مختلف وجوهها.
إذا كان البحر الأحمر ممرًا استراتيجيًا للقوى الدولية، فإنه يمثل في الوقت ذاته مجالًا حيويًا لدول القرن الأفريقي التي ترى في موقعها الجغرافي فرصة لتعزيز وزنها السياسي والاقتصادي والأمني. وتبرز هنا دول ذات تأثر هي كل من الصومال وإثيوبيا وإريتريا وجيبوتي والسودان، إلى جانب دول الخليج ومصر وتركيا وغيرها.
المشهد الراهن في البحر الأحمر يشير إلى أن التنافس لا يقتصر على تملك الموانئ والمنافذ بقدر اتساعه لخلق وجود من خلال إنشاء قواعد ومرتكزات مؤثرة، وهو ما يدفع عددًا من القوى إلى التقارب مع أطراف إقليمية لأي طارئ.
يقول الكاتب اليمني المتخصص في الشؤون العسكرية والاستراتيجية علي محمد الذهب عن التداعيات المستقبلية "يمكن أن يؤدي التنامي المستمر في حجم القوات التابعة للدول المتنافسة، إلى نشوب توترات قد تتطور إلى عنف دولي وإقليمي مسلح، تنشأ عنه محاور صراع تُستقطب إليها دول المنطقة، ويتنامى خلال ذلك عنف الحركات الوطنية الرافضة لوجود القوى الخارجية، والعنف المرتبط بالهويات والإرهاب، والجرائم البحرية كالقرصنة والسطو المسلح على السفن، أو أنماط الجريمة المنظمة العابرة للحدود الوطنية من خلال البحار، ويزداد خطر هذا العنف بالضعف المتوقع في القدرات العسكرية والأمنية لدول المنطقة، التي هي، في الأساس ضعيفة، وتعثر برامج التنمية الداعمة للأمن والاستقرار".
ويضيف "يعد الأمن القومي العربي المتضرر الأول من هذا التنافس، نظرًا إلى وقوع ثلث دول الوطن العربي على حواف البحر الأحمر وخليج عدن، وما قد يترتب على التنافس من عنف دولي واسع النطاق، تتجمد بفعله حركة الملاحة البحرية في باب المندب وقناة السويس، والانعكاسات الخطرة على الأمن الاقتصادي وأمن الطاقة وحرية الملاحة البحرية، والقضايا الأخرى المنضوية تحت مفهوم الأمن البحري".
الكاتب المتخصص في الشؤون الأفريقية إبراهيم قارو يقول "لم يعد البحر الأحمر مجرد ممر استراتيجي للتجارة والطاقة، بل أصبح أحد ميادين إعادة تشكيل التوازنات في الشرق الأوسط والقرن الأفريقي. وتكمن أهمية المرحلة الراهنة في تداخل المصالح الاقتصادية والأمنية والعسكرية والجيوسياسية، بما يجعل تطورات البحر الأحمر مرتبطة بصورة مباشرة بما يجري في اليمن والسودان والقرن الأفريقي وحوض النيل. ولذلك، فإن السؤال الأهم لم يعد يتعلق بمن يسعى إلى الحضور في البحر الأحمر، وإنما يتعلق بطبيعة النظام الإقليمي الذي تحاول القوى المتنافسة تشكيله، ومن يمتلك القدرة على التأثير في قواعده. وفي هذا السياق تتحرك الولايات المتحدة من منظور حماية حرية الملاحة وأمن طرق التجارة والطاقة واحتواء نفوذ الخصوم، فيما يرتبط الحضور الصيني أساسًا بحماية خطوط التجارة والمصالح الاقتصادية بعيدة المدى، وتسعى روسيا إلى توسيع خياراتها الاستراتيجية في البحر الأحمر. وفي المقابل، تعمل قوى إقليمية على بناء دوائر نفوذ تتقاطع فيها المصالح الأمنية والاقتصادية والسياسية".
ويشير إلى أن "هذا التنافس حاليًا لم يعد يعتمد على القواعد والأساطيل وحدها، وإنما بات يتوسع ليشمل الموانئ والاستثمارات والبنية التحتية وسلاسل الإمداد والشراكات الأمنية والقوى المحلية. وبذلك أصبح الميناء أداة محتملة للنفوذ، وأصبح الاستثمار في البنية التحتية جزءًا من معادلة القوة الإقليمية. وفي هذا الإطار تبرز إثيوبيا كونها متغيرًا مركزيًا في معادلة البحر الأحمر. فمن حق الدول الحبيسة البحث عن ترتيبات مستقرة وآمنة لتجارتها، غير أن الخطاب الإثيوبي حول الوصول إلى البحر تجاوز في بعض مراحله البعد التجاري إلى ربط المسألة بمكانة إثيوبيا كقوة إقليمية وبحقها في حضور استراتيجي على البحر. وهنا ينبغي التمييز بين حق الوصول التجاري، الذي يمكن تنظيمه باتفاقات تحفظ مصالح الدول المعنية، وبين إقامة ترتيبات ذات طبيعة عسكرية أو استراتيجية يمكن أن تعيد تشكيل موازين الأمن والسيادة في المنطقة. وهذا التمييز أساس في قراءة الموقف الإريتري. فالساحل الإريتري ليس مجرد منفذ يمكن التعامل معه كحل لمعضلة جغرافية إثيوبية، وإنما هو جزء من سيادة الدولة الإريترية وأمنها القومي. ومن منظور إريتري، فإن معالجة مشكلة إثيوبيا كدولة حبيسة لا يمكن أن تتحول إلى أساس لإعادة تعريف سيادة الدول الساحلية أو فرض ترتيبات استراتيجية على سواحلها. فحق إثيوبيا في الوصول إلى البحر لا يقابله حق في البحر نفسه، كذلك أن الحاجة الاقتصادية لا تُنشئ تلقائيًا حقًا سياديًا أو عسكريًا في أراضي دولة أخرى".
لهذا لا يمكن اختزال الحضور الدولي والإقليمي في البحر الأحمر في مفهوم "استهداف المنطقة" وحده. فالقوى الكبرى تسعى إلى حماية مصالحها ومنع المنافسين من احتكار الممرات البحرية، بينما تعمل القوى الإقليمية على توسيع نفوذها والاستفادة من التنافس الدولي. والنتيجة هي تعدد مراكز القوة وتداخلها، من دون وجود قوة واحدة قادرة على فرض نظام مستقر على كامل المجال البحري.
وبذلك تتشكل بيئة يمكن وصفها بالتنافس متعدد المراكز، إذ تتعايش مصالح متعارضة داخل مجال جغرافي واحد. وقد يوفر هذا الوضع نوعًا من الردع المتبادل، لكنه يرفع أيضًا احتمالات سوء التقدير واستخدام الوكلاء وانتقال الأزمات المحلية إلى مستويات إقليمية. وتظل العلاقة الإثيوبية الإريترية، إلى جانب الحرب السودانية وأمن باب المندب، من أبرز نقاط الاختبار في هذه المعادلة.














