كنتُ أجلس ذات مساء أمام طاولتي الصغيرة في المنزل، أتأمل قطع أحجية متناثرة أمامي. مئات القطع الصغيرة، لكل واحدة لون وشكل مختلف، ولا تكشف أيٌّ منها، منفردةً، شيئًا واضحًا من الصورة الجميلة المطبوعة على صندوق اللعبة.

أمسكتُ قطعةً وبدأت أبحث عن مكانها. ثم أخرى. وكلما نظرت إلى هذا العدد الكبير شعرت بالحيرة: من أين يبدأ الإنسان حين تكون الصورة كلها مفككة؟
في تلك اللحظة قالت زوجتي، وهي تتأمل القطع أمامنا: «ألا تشبه هذه الأحجية حال عالمنا اليوم؟ عندما ننظر إلى كل القطع مرة واحدة نشعر بالفوضى، لكننا لا نحتاج إلى إصلاح الصورة كلها دفعة واحدة. يكفي أن نبدأ من زاوية، ثم نضيف إليها قطعة بعد أخرى».

كانت تتحدث عن لعبة، لكنني كنت أسمع اليمن.

فكم يشبه وطننا اليوم أحجيةً تناثرت قطعها على طاولة التاريخ. سنوات من الصراع تركت جراحًا عميقة، وأسرًا تفرقت، وأطفالًا كبروا وهم يعرفون أصوات الحرب أكثر من أصوات اللعب، وشبابًا يحملون أحلامًا أكبر من الفرص المتاحة أمامهم.

وحين ننظر إلى الصورة كلها نشعر بالعجز.

من يستطيع إصلاح اقتصاد بلد كامل؟ أو إنهاء الخصومات؟ أو إعادة بناء المدارس والمستشفيات والثقة التي تهدمت بين الناس؟
ربما لا يحتاج الإنسان إلى أن يحمل وطنًا كاملًا فوق كتفيه، لكنه يستطيع أن يحمل القطعة الموجودة بين يديه.

المعلم الذي يحترم عقول طلابه يضع قطعة في الصورة. والأب الذي يربي أبناءه على احترام المختلف يضع قطعة. والشاب الذي يخدم حارته بدل أن يستسلم لليأس يضع قطعة. والتاجر الذي لا يستغل حاجة الناس، والطبيب الذي يعامل الفقير بكرامة، والجار الذي يسأل عن جاره؛ كل هؤلاء يعيدون، بطريقتهم، تركيب صورة المجتمع.

في اليمن خير كثير ما زال حيًّا في الناس، لكنه يعمل أحيانًا متفرقًا، مثل قطع جميلة لا تعرف مكانها من الصورة الكبرى.

نحن بحاجة إلى أن نتعلم العمل معًا. وليس معنى ذلك أن نتشابه في كل شيء. فحتى قطع الأحجية لا تتشابه؛ اختلافها هو الذي يسمح لها بأن تتكامل.

يمكن لليمني أن يختلف مع اليمني في المنطقة أو القبيلة أو الرأي أو المذهب أو الدين، ومع ذلك يدرك أن مستقبل أبنائنا مترابط، وأنه لا يمكن لجزء من الصورة أن ينجو إذا تمزقت بقية القطع.

ولهذا فإن مستقبل اليمن يبدأ حين ندرك أن بناء المجتمع لا يكتمل إلا بمشاركة الجميع، وأن لكل فرد مكانًا ودورًا في الصورة الأكبر.

وقد يكون البدء من أماكن صغيرة جدًا: الأسرة، المدرسة، الحارة، مجموعة من الشباب، أو مبادرة بسيطة تخدم الناس. قد تبدو هذه الأعمال صغيرة أمام حجم المأساة، لكنها ليست بلا قيمة؛ فالصورة الكبيرة لا تتكون إلا من قطع صغيرة.

عندما عدت إلى الأحجية أمامي، بدأت أنا وأسرتي نضع القطع واحدة تلو الأخرى. شيئًا فشيئًا ظهرت زاوية، ثم خط، ثم لون، وبدأت الصورة تتشكل.

وربما هذا ما يحتاج إليه اليمن أيضًا: آلاف الأيدي التي تدرك أن لها دورًا، وقلوبًا تختار أن تبني بدل أن تهدم، ورؤية مشتركة تجعلنا نؤمن بأن المستقبل لا تصنعه الشكوى وحدها، بل الأعمال الصغيرة حين تتصل ببعضها. قد تكون الصورة اليوم مفككة؛ لكن القطع ما زالت بين أيدينا.