ليست أزمة الأوطان في قلة القوانين، بل في انحراف من اؤتمن على تطبيقها. فالقانون بلا قاضٍ عادل حبر على ورق، والقاضي بلا حياد سلطة بلا ضمير. وعندما ينحاز القاضي لا نسقط في خطأ قضائي فحسب، بل نسقط في فخ تاريخي اسمه "تفكيك الدولة من داخلها".
إن الانحياز في جوهره انقلاب ناعم على العقد الاجتماعي. هو أن يتحول الحكم من عملية استدلال قانوني إلى عملية مقايضة سياسية أو اجتماعية أو قبلية. أن يصدر الحكم لا ليرفع الظلم، بل ليرضي جهة، أو ليحمي مصلحة، أو ليتجنب ضغطاً. وحينها لا يعود القاضي فاصلاً بين الناس، بل يصبح طرفاً ثالثاً منحازاً. وهنا بالضبط تبدأ الهزيمة. لأن الدولة لا تُهزم حين تخسر معركة، وإنما تُهزم حين يخسر المواطن ثقته في أن له مظلمة يمكن ردها.
المنطق القانوني واضح ولا يحتمل التأويل. الدستور اليمني في المادة 147 حسم المسألة بعبارة قاطعة:"القضاة مستقلون لا سلطان عليهم في قضائهم لغير القانون". لاحظ دقة النص: "لغير القانون". أي أن الاستقلال ليس امتيازاً للقاضي، بل قيداً عليه. هو استقلال عن كل شيء إلا عن النص. وقد جاء قانون المرافعات والتنفيذ المدني رقم 40 لسنة 2002 وتعديلاته ليترجم هذا القيد إلى آليات عملية، ففتح باب رد القاضي في المواد من 117 إلى 122 لكل من يرى في نفسه ريبة من حياد من يحاكمه. لماذا؟ لأن المشرع يدرك أن الشبهة وحدها كافية لإهدار الثقة، فما بالك باليقين؟ كما أن قانون السلطة القضائية رقم 1 لسنة 1991 وتعديلاته أوكل إلى مجلس القضاء الأعلى وهيئة التفتيش القضائي مهمة الرقابة والمساءلة التأديبية، لأن منصب القضاء أمانة عامة، والأمانة لا تُصان بالخطابة، بل بالمساءلة المؤسية.
لكن الواقع يطرح سؤالاً أخطر: لماذا رغم كل هذه الضمانات النصية، لا يزال الشعور الشعبي بأن"العدالة غائبة" يتسع؟ الجواب أن النص وحده لا يكفي. النص يحتاج إلى إرادة، والإرادة تحتاج إلى مناخ. ومناخ القضاء لا يُصنع داخل قاعة المحكمة فقط، بل يُصنع في الفضاء العام. حين يتحول القاضي إلى هدف للضغط السياسي، أو رهينة للعصبية القبلية، أو أسيرًا للإغراء المالي، فإنه حتى لو أراد الحياد فلن يجده. وحين يتحول المجتمع إلى بيئة تبرر الانحياز تحت مسمى "الضرورة" أو "الواقعية" فإننا نكون قد شرعنا للانهيار بأيدينا.
وكلفة هذا الانهيار لا تقاس بعدد الأحكام الجائرة، بل تقاس بما يحدث بعدها. أولاً: ينسحب الناس من ساحة القانون. ثانياً: يعودون إلى ساحة القبيلة والثأر واليد. ثالثاً: تفقد الدولة احتكارها للعنف المشروع، وتتحول إلى كيان شكلي. وأخطر من كل ذلك أن الظلم إذا صدر باسم القانون اكتسب شرعية زائفة، فيصبح المواطن عدواً للنص الذي كان يفترض أنه درعه. وهنا نكون قد وصلنا إلى اللحظة التي قال عنها الفقهاء:"دولة الظلم ساعة، ودولة العدل إلى قيام الساعة".
إن النقد هنا ليس استهدافاً للأشخاص. القاضي بشر يخطئ ويصيب، والقضاء مؤسسة قابلة للإصلاح. لكن النقد يجب أن يكون نقد منظومة، لا نقد فرد. نقد لثقافة تسمح بالتدخل، ولبيئة تبرر المجاملة، ولصمت يتواطأ مع الانحراف. ووسائل هذا النقد موجودة ومعلنة: الاستئناف، الطعن، طلب الرد، الشكوى للتفتيش القضائي. المشكلة ليست في غياب الأدوات، بل في غياب الجرأة على استخدامها وفق القانون.
نحن اليوم أمام مفترق. إما أن نعيد الاعتبار لميزان العدالة فنستعيد الدولة، أو نستمر في المساومة عليه فنخسر الوطن. فالسيادة التي نتغنى بها في المحافل الدولية، والشرعية التي نستند إليها في خطابنا السياسي، تبدأ من عتبة المحكمة. إذا استقام القضاء استقامت الدولة، وإذا اعوجّ القضاء اعوجّ كل شيء بعده.
إن المطلوب اليوم ليس قاضياً معصوماً، بل قاضياً شجاعاً. شجاعاً في مواجهة نفسه أولاً، وفي مواجهة الضغوط ثانياً، وفي مواجهة إغراء السلطة ثالثاً. لأن الأوطان لا تبنى بالشعارات، وإنما تبنى بحكم واحد عادل في قضية واحدة صغيرة، يرى فيه الناس أن القانون لا يزال حياً.















