حين نرى شابًا يحمل السلاح نسأل عادة: من سلّحه؟ لكننا نادرًا ما نسأل السؤال الأسبق والأعمق: من ربّى يده قبل أن تصل إلى السلاح؟ فتلك اليد لم تولد وهي تعرف الزناد؛ كانت يومًا يدًا صغيرة تحمل لعبة، وتمسك بطرف ثوب أمها، وتمتد إلى أبيها طلبًا للأمان، وترتفع في الصف لتسأل. وبين تلك اليد الصغيرة وهذه اليد التي قد تحمل السلاح، كانت هناك سنوات طويلة امتلأت بالكلمات والمواقف والصور والمفاهيم. فالسلاح لا يبدأ دائمًا من متجر السلاح؛ أحيانًا يبدأ من جملة عابرة في غرفة الجلوس.

يبدأ حين يسمع الطفل أن الاعتذار ضعف، وأن الرحمة رخاوة، وأن الرجل الحقيقي لا يبكي ولا يتراجع، وأن الكرامة لا تُسترد إلا بالانتقام، وأن الأقوى هو من يفرض رأيه، وأن المختلف معنا خصم يجب أن نهزمه لا إنسانًا ينبغي أن نفهمه.

 هناك، دون أن نشعر، قد نضع أول قطعة في سلاحه الداخلي؛ فالطفل الذي نعلّمه أن الرجولة تعني السيطرة قد يكبر وهو يبحث عمّن يسيطر عليه، والذي نعلّمه أن الإهانة لا تُغسل إلا بإهانة أكبر قد يحمل في داخله ثأرًا يبحث يومًا عن مناسبة للخروج، والذي يرى الكبير يخطئ ولا يعتذر يتعلم درسًا خطيرًا: أن القوة تعفي صاحبها من الاعتراف بالخطأ.

وقبل أن يحمل الطفل رصاصة في جيبه، ربما حمل كلمات قاسية في ذاكرته، وقبل أن يتعلم التصويب على إنسان ربما تعلم أن يصوّب سخريته نحو زميل مختلف عنه، وقبل أن يقف في جبهة ربما عاش جبهات صغيرة داخل البيت: صوتًا أعلى ينتصر دائمًا، وضعيفًا يصمت دائمًا، وخلافًا ينتهي بالإهانة بدل الحوار. وهنا المفارقة المؤلمة: نخاف على أطفالنا من الحرب في الشوارع، بينما قد تتسلل بعض أبجدياتها إلى بيوتنا دون طلقة واحدة.

فالحرب ليست بندقية فقط؛ الحرب قد تكون كلمة مؤلمة أو طريقة في التفكير: أن أعتقد أن المختلف معي عدو، وأن أرى التراجع عن الخطأ هزيمة، وأن أربط الرجولة بالقسوة، وأن أعلّم طفلي أن جماعتنا أفضل من بقية الناس، وأن أضحك عندما يهين القوي من هو أضعف منه. كلها بذور صغيرة، لكنها إن تُركت طويلًا قد تكبر في أرض الغضب حتى يصبح اقتلاعها أصعب.

وفي المقابل، يستطيع البيت نفسه أن يصبح أول مدرسة لنزع السلاح. حين يقول الأب لابنه: أخطأت بحقك، سامحني ، فهو لا ينطق بجملة عابرة، بل يهدم في عقل الطفل فكرة أن الاعتذار ينتقص من الرجال. وحين تختلف الأم مع ابنها ثم تستمع إليه، فهي تعلمه أن الاختلاف لا يحتاج إلى عدو. وحين يمنع الوالدان أبناءهما من السخرية من لهجة طفل أو منطقته أو فقره أو معتقده، فهما لا يعالجان موقفًا صغيرًا فحسب، بل يغلقان مصنعًا للكراهية قبل أن يبدأ إنتاجه. وحين نسأل الطفل الغاضب: ماذا تشعر؟ بدل أن نصرخ في وجهه: اسكت! فنحن نضع في يده كلمة بدل قبضة، وحوارًا بدل صرخة، وقدرة على التعبير بدل الحاجة إلى إثبات نفسه بالقوة.

لهذا لا ينبغي أن نؤجل تعليم السلام حتى يكبر أطفالنا؛ فالسلام يبدأ عندما يتشاجر طفلان على لعبة فنعلمهما كيف يسترد كل منهما حقه دون إذلال الآخر، وحين نعلّم ابننا أن الشجاعة ليست أن يستطيع ضرب من أمامه، بل أن يستطيع ضبط نفسه وهو قادر على ذلك، وأن القوة ليست أن يخافك الناس، بل أن يأمنوا جانبك وهم يعرفون أنك قوي. وربما من أجمل ما يمكن أن يسمعه طفل يمني اليوم أن الرجل ليس من يستطيع أن يؤذي، بل من يستطيع أن يحمي دون أن يظلم.

إن قضية السلاح في اليمن أكبر وأكثر تعقيدًا من أن نحمّل الأسرة مسؤوليتها؛ فلها جذور سياسية وأمنية واقتصادية واجتماعية عميقة. لكن هناك نوعًا آخر من نزع السلاح تستطيع كل أسرة أن تبدأه اليوم: نزع السلاح من اللغة، ومن الذاكرة، ومن مفهوم القوة. قد لا تستطيع أم أن توقف حربًا، لكنها تستطيع ألا تورث طفلها كراهية إنسان لم يره. وقد لا يستطيع أب أن يحل صراعات البلاد، لكنه يستطيع أن يبني داخل بيته نموذجًا مصغرًا لليمن الذي يتمناه: عدلًا بين أبنائه، واحترامًا للضعيف، وحقًا في الكلام، ومسؤولية عند الخطأ، ورحمة عند القدرة. وقد لا يستطيع معلم أن يغلق جبهة، لكنه يستطيع أن يفتح نافذة في عقل طفل ويخبره أن اختلاف زميله عنه لا يجعل أحدهما أقل إنسانية من الآخر.

وقد تبدو هذه الأشياء صغيرة أمام وطن أثقلته سنوات الصراع، لكن الأشجار العملاقة كانت يومًا بذورًا صغيرة لا يلتفت إليها أحد. وربما يكون من أخطر أخطائنا أن ننتظر حتى يصبح الطفل شابًا ثم نسأله عن السلام؛ علينا أن نسأله عنه وهو في الخامسة عندما ينتزع لعبة أخيه بالقوة، وفي السابعة عندما يسخر من زميله، وفي العاشرة عندما يسمع كلمة تحقّر جماعة من الناس، وفي الخامسة عشرة عندما يبدأ في البحث عن معنى الرجولة والقوة والانتماء. فهناك تُبنى الجبهة التي لا تظهر على الخرائط: الجبهة داخل الإنسان نفسه. فإذا انتصر فيها العقل على الغضب، والحوار على الإقصاء، والعدل على الانتقام، والرحمة على الكراهية، فقد كسب الوطن مواطنًا قبل أن يخسره في جبهة.

لذلك ربما لا يكون السؤال الأهم فقط: كيف نُخرج السلاح من يد أبنائنا؟ بل السؤال الذي ينبغي أن يسبق ذلك بسنوات: ماذا نضع في أيديهم قبل أن يصل إليها السلاح؟ ضعوا كتابًا، ولعبة، ومهنة، ومسؤولية، وضعوا يد طفل مختلف عنهم ليصافحوها، وضعوا في عقولهم القدرة على السؤال، وفي أرواحهم احترام الحياة، وفي قلوبهم تعريفًا آخر للقوة: أن تكون قويًا ليس أن تستطيع إيذاء الآخر، بل أن تستطيع منع نفسك من ظلمه؛ وأن تكون شجاعًا ليس أن تقدر على الانتقام، بل أن تملك نفسك عند الغضب وتختار العدل؛ وأن تكون إنسانًا هو أن تدرك أن حياة الآخر لا تفقد قيمتها لمجرد أنه يختلف عنك.

وربما يبدأ نزع سلاح اليمن يومًا بقرار كبير على طاولة سياسية، لكن منع السلاح من أن يصبح لغة جيل جديد يبدأ من طاولة أصغر بكثير: طاولة العشاء في البيت. هناك، بين كلمة أب ونظرة أم، وبين خلاف صغير واعتذار، وبين قصة تُروى وفكرة تُصحح، يجلس اليمن القادم كل مساء دون أن ننتبه إليه.

فانتبهوا جيدًا إلى ما يسمعه أطفالنا اليوم؛ لأن الوطن الذي سنراه غدًا قد يكون جالسًا الآن على كرسي صغير في بيوتنا، يتعلم منا كيف يحب، وكيف يختلف، وكيف يغضب … وماذا يفعل بيده حين يغضب.

ودمتم سالمين.